الصفحة 233 من 390

ولننظر نظرة أكثر قربًا من بلدوين الأول لنعرف طبيعة شخصيته، وصفة أخلاقه؛ فبلدوين الأول كان متزوجًا من الأرمينية أردا، وكان زواجه منها كما مر بنا أيام حكمه لإمارة الرها لغرض السيطرة على المدينة التي يسكنها كثير من الأرمن، أما الآن فليس في بيت المقدس أرمن؛ ولذا لم يَعُدْ هناك فائدة لأردا الأرمينية! ومن ثَمَّ سعى بلدوين لطلاقها ليتزوج من زوجة أخرى تحقق له مصالح أخرى!

ولما كان الطلاق في المذهب الكاثوليكي محرمًا تمامًا اتَّهم الملك بلدوين الأول زوجته بالخيانة، وتواطأ مع أسقف كنيسة بيت المقدس في ذلك الوقت، وهو صديقه أرنولف مالكورن ليتم الطلاق، وبالفعل تمَّ الطلاق، وتم أيضًا ترحيل الزوجة المطلقة أردا إلى القسطنطينية، وخلا الجو لبلدوين الأول ليعقد زيجة سياسية أخرى، حيث تزوج في السنة التي مات فيها مودود من أرملة روجر الأول أمير صقلية [1] ، وهذا سيحقق له فائدتين كبيرتين؛ أما الأولى فهي تقوية علاقته بالنورمان الإيطاليين الأشدَّاء، وثانيًا سيستفيد من الثروة الطائلة التي تملكها الأرملة الثرية أدلياد، والتي ستنعش الخزانة الخاوية لبيت المقدس بعد المعارك المتتالية هنا وهناك [2] .

وهكذا تزامن غياب مودود ثم طغتكين مع ازدياد قوة بلدوين العسكرية والمالية مما دفعه إلى توسيع الطموحات؛ وقد ظهر ذلك في احتلال منطقة وادي عربة جنوب البحر الميت، وشيَّد هناك حصن الشوبك (صورة 4) ليسيطر بذلك على القوافل المتجهة من الشام إلى مصر أو الحجاز، وكان ذلك في سنة (509هـ) 1115م [3] ، ثم في العام التالي (510هـ) 1116م اخترق بلدوين الأول صحراء النقب بكاملها، واحتل (أيلة) على مضيق العقبة، حيث بَنَى هناك قلعة مهمة جدًّا للسيطرة على القوافل في هذه المنطقة، وخاصةً المتجهة من الشام إلى الحجاز، أو من مصر إلى الحجاز [4] ، كما بنى قلعة أخرى في جزيرة فرعون في داخل خليج العقبة نفسه، ولا شك أن هذه السيطرة أعطت له إشرافًا مباشرًا على الحدود بين فلسطين ومصر، كما أعطت له منفذًا في غاية الأهمية على البحر الأحمر [5] .

وهكذا استطاع بلدوين الأول في غياب الجهاد الإسلامي أن يسيطر على كل فلسطين باستثناء مدينة عسقلان، كما سيطر على النصف الجنوبي من لبنان باستثناء مدينة صور، وهذه هي حدود مملكة بيت المقدس بعد ذلك [6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت