فهرس الكتاب
بل إن بلدوين الأول في وجود حالة الصمت الإسلامي تجرَّأ على ما هو أكثر من ذلك؛ حيث قرر غزو مصر بفرقة صغيرة جدًّا من جيشه! فاقتحم سيناء، وأسقط العريش بسهولة بالغة، بل واصل السير حتى احتل الفرما (بالقرب من بورسعيد الآن) [1] ، وأحرق ديارها ومساجدها [2] ، ولولا أنه أصيب بمرض خطير في هذا التوقيت لكان قد أكمل طريقه، غير أنه عاد بسبب مرضه، وكانت هذه الأحداث في سنة (512هـ) 1118م [3] .
الوقفة الثامنة: مع إمارة الرها
تنفَّست هذه الإمارة الصُّعداء بعد وفاة مودود، خاصةً بعد تولِّي أمراء ليسوا على نفس الدرجة من الكفاءة العسكرية والسياسية، وأدى هذا إلى توسع إمارة الرها في المدن المحيطة، فأسقط بلدوين دي بورج في سنة (510هـ) 1116م مدينتي كيسوم ورعبان [4] ، ثم مدينة البيرة في سنة (511هـ) 1117م [5] ، ثم أخيرًا وفي نفس العام، أسقط قلعة قورس الخطيرة في شمال حلب؛ ليكون بذلك مهدِّدًا لإمارة حلب، ومترقِّبًا لأيِّ فرصة تسمح بإسقاطها، وهكذا صارت حلب واقعة تحت تهديد إمارتي الرها وأنطاكية معًا [6] .
الوقفة التاسعة: مع إمارتي أنطاكية وطرابلس
لم يطرأ عليهما تغيير يذكر في هذه الفترة إلا أنهما أخذا وقتًا كافيًا لتدعيم قوتهما، وتجديد قلاعهما وأسوارهما، وكذلك تكثير جيوشهما استعدادًا لتوسُّع مرتقب، واستمر روجر الأنطاكي على زعامة أنطاكية، بينما استمر بونز بن برترام على حكم طرابلس.
الوقفة العاشرة: مع الأرمن في المنطقة الشمالية
بعد وفاة مودود شعر بلدوين دي بورج أمير الرها بكثير من الأمان، ورأى أن أحوال الرها قد ساءت جدًّا نتيجة قتل وطرد الأرمن الذين كانوا يمثِّلون صُلْب المدينة وعمودها الفقري، ومن ثَمَّ لم يخش بلدوين دي بورج من إعادة استقدام الأرمن ليعيشوا مرة أخرى في بلاد الرها بعد زوال خطر مودود، ولم يتردد الأرمن في قبول الدعوة من بلدوين دي بورج حيث حانت لهم الفرصة للعودة إلى ديارهم ومزارعهم، ولكن ليس هناك من شك أنهم عادوا وهم يضمرون كل الكراهية للصليبيين، كما كانوا يتوجسون منهم خيفة أن يعيدوا الكَرَّة مرة أخرى، فتتكرَّر المأساة الأليمة [7] .
(2) أبو المحاسن: النجوم الزاهرة 5/ 171.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 178.