الصفحة 235 من 390

وإذا كان هذا هو وضع الأرمن الذين كانوا يعيشون في الرها، فإن الأرمن خارج حدود الرها كانوا على خلاف ذلك يرفضون التعاون مع الصليبيين، بل إن أرملة كوغ باسيل (الذي مات في سنة(506هـ) 1112م لم تتردد أن تطلب صراحة من آق سنقر حاكم الموصل في سنة (508هـ) 1114م أن تنضم إليه بشعبها في مقابل جزية تدفعها له كدلالةٍ على التبعية [1] !!

وهذه أدلة متكررة تثبت أن الأرمن النصارى كانوا يطمئنون إلى المسلمين وإلى رحمتهم وعدلهم أكثر ألف مرة من اطمئنانهم لإخوانهم النصارى من الصليبيين!

إذن في الخمس أو ست سنوات التي أعقبت وفاة المجاهد العظيم مودود حدثت عدة تغيرات جذرية في المنطقة، كانت في معظمها تصبُّ في خدمة وتدعيم موقف الصليبيين، وحدثت عدة تغييرات سياسية في الإمارات الإسلامية لم تكن في معظمها إيجابية، اللهم إلا موت رضوان بن تتش زعيم حلب، والذي خلَّص المسلمين من طاغيةٍ متكبر.

ثم حدثت في الساحتين الإسلامية والصليبية في أواخر سنة (511هـ) وخلال سنة 512هـ، وكذلك في أوائل سنة (513هـ) عدة وفَيَات أدت إلى تغييرات محورية في الصراع الإسلامي- الصليبي (خلال سنتي 1117 - 1118م) :

أولًا: وفاة السلطان محمد السلجوقي عن عمر يناهز سبعة وثلاثين عامًا فقط، وكان قد وحَّد السلاجقة في مملكة واحدة كبيرة صار لها هيبة عند الناس وعند الخلافة العباسية، وسيَّر عدة حملات إلى الصليبيين منها ما نجح على أيام مودود رحمه الله، ومنها ما لم يحقِّق النجاح كما في عهد آق سنقر البرسقي أو برسق بن برسق، وكان كما يقول ابن الأثير:"عادلًا، حسنَ السيرة، شجاعًا"، ولكن من أعظم أخطائه هو توليته ابنه السلطان محمود الحكم من بعده، مع أنه كان يبلغ من العمر أربعة عشر عامًا فقط [2] !!

وكانت هذه - للأسف - عادة في ذلك الزمن، وهو ولاية الوريث ولو كان طفلًا صغيرًا جدًّا، ثم يتولى الحكم الوصيُّ عليه، فيأخذ الدولة يمينًا أو شمالًا حسب ما يتراءى له، وكان من نتائج وفاة السلطان محمد وولاية السلطان محمود أن حدثت فتن وصراعات في داخل الدولة التي فقدت هيبتها، بل وصل الصراع إلى التقاتل بالسيوف بين السلطان محمود وأخيه الملك مسعود، وكذلك بين السلطان محمود وأخيه الملك طغرل، وأخيرًا بين السلطان محمود وعمِّه السلطان سنجر [3] ، وكل هذه الصراعات كان لها أسوأ الأثر على الصراع الإسلامي- الصليبي؛ إذ شغلت المسلمين بأنفسهم، وأنستهم قصة الصليبيين!

ثانيًا: وفاة بدر الدين لؤلؤ المتصرف الفعليّ في أحوال حلب مقتولًا، إذ قتله بعض أعوانه، ولما كان أمر حلب قد اضطرب كثيرًا في السنوات الأخيرة بعد موت رضوان وقتل ابنه ألب أرسلان، ثم قتل بدر الدين لؤلؤ سعى أعيان المدينة إلى تحسين الأوضاع، فذهبوا إلى أفضل العناصر الموجودة حولهم، وهو إيلغازي بن أرتق فسلموه البلد، وهكذا وجد إيلغازي نفسه فجأةً حاكمًا على ماردين وحلب معًا، ولم يكن ذلك هدية خالصة؛ لأنه وجد في حلب همومًا كثيرة؛ إذ وجد خزانتها خاوية بعد أن أنفق بدر الدين لؤلؤ الثروة الحرام التي جمعها رضوان، وهكذا وصلت حلب إلى وضعٍ يُرثى له مع كونها واحدة من أهم الإمارات الإسلامية في المنطقة [4] .

ثالثًا: وفاة المستظهر بالله الخليفة العباسي، وكان قد تولى الحكم من (487 إلى 512هـ\ 1094 إلى 1118م) [5] ، وتولى من بعده ابنه المسترشد بالله، ولم يكن الخليفة الجديد كغيره من الخلفاء السابقين، إنما كان رجلًا طموحًا ذا همة عالية، وكان شجاعًا مقدامًا ذا هيبة شديدة، وكان عالمًا فقيهًا حتى ذكره ابن الصلاح في طبقات الشافعية، وهذا في حدِّ ذاته من أهم فضائله، فهي شهادة من عالم متمكن خبير؛ وهذه الولاية للخليفة المسترشد ستترك آثارًا مهمة على الساحة الإسلامية؛ إذ إنه لم يقبل بالوضع الذي اعتاد الخلفاء العباسيون عليه في القرنين السابقين من كونهم مجرد صورة للحكم، بل سيسعى ليكون له كيان ورأي، ولا شك أن هذا سيولد صراعات كثيرة في المنطقة، وسيكون لهذه الصراعات آثار كثيرة على مجريات الأحداث.

رابعًا: وفاة بلدوين الأول ملك مملكة بيت المقدس، والمؤسِّس الحقيقي لها، وكان قد وصل بمملكة بيت المقدس إلى حدودها التي استقرت بعد ذلك عشرات السنين، وأسقط كل المدن الفلسطينية باستثناء عسقلان، وكذلك النصف الجنوبي من لبنان باستثناء صور، وكانت وفاته بمدينة العريش سنة (511هـ) 1118م أثناء عودته من الفرما المصرية بعد احتلالها [6] ، وقد اجتمع الصليبيون على تولية ابن عمه بلدوين دي بورج أمير الرها مكانه في بيت المقدس [7] ، وهذا - لا شك - ترقية لوضع بلدوين دي بورج حيث إن مَلِكَ بيت المقدس له القيادة على كل الممالك الصليبية؛ لوضع القدس، ولحجم المملكة، ولكونها مملكة وليست إمارة، وقد اختار بلدوين دي بورج - الذي لُقِّب بعد ذلك ببلدوين الثاني - ابنَ عمِّه جوسلين دي كورتناي - الذي كان قد عزله قبل

(1) ابن الأثير الكامل في التاريخ 3/ 154،153.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 168،167.

(3) انظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 181 - 185، 192،191.

(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 171،170.

(5) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 173.

(6) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 178.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت