نجح ألب أرسلان في قتل نصير الدين جقر، لكنَّ المخلصين لعماد الدين زنكي في دولته كانوا أكثر من تخيُّل ألب أرسلان؛ فقد كان رجال حكومته وجيشه وشعبه يحبونه حبًّا حقيقيًّا، وكان عماد الدين زنكي يعاملهم جميعًا بمنتهى الحب والمودة وحسن السياسة، وكانت دولة عماد الدين زنكي - كما يقول ابن الأثير - مملوءة بالرجال والأجناد ذوي الرأي والتجربة، فقام قاضي المدينة تاج الدين يحيى بن الشهرزوري بخداع ألب أرسلان حتى سجنه وأعوانه في قلعة المدينة، وأرسلوا بالخبر فورًا إلى عماد الدين زنكي [1] .
اضطر عماد الدين زنكي إزاء هذا الخبر الخطير أن يرفع الحصار عن البيرة، وأن يُسرِع الخُطَا إلى الموصل خشية اضطراب الأوضاع في عاصمته، ووصل فعلًا إلى الموصل، وضبط الأوضاع كما ينبغي، وعيَّن زين الدين علي بن بكتكين على إمارة الموصل بدلًا من الأمير الراحل، واستتب له الأمر من جديد، لكن بعد أن فوَّتوا عليه فرصة إسقاط البيرة [2] .
خشي سكان البيرة من عودة عماد الدين زنكي، فآثروا أن يسلِّموا مدينتهم إلى حسام الدين تمرتاش، وهو الزعيم المعارض لعماد الدين زنكي، وهذا قد يؤدِّي إلى الدفاع عنهم؛ حيث إنهم خشوا بعد هذه المقاومة الشديدة لعماد الدين زنكي أن ينتقم منهم إذا سقطت المدينة في يده. وهذا على العموم سلَّم المدينة إلى المسلمين، وأزال عنها حكم الصليبيين، وإن لم تدخل في دولة عماد الدين زنكي [3] .
رأى عماد الدين زنكي أن هذا النصر الكبير ليس نهاية المطاف، فهناك إمارات صليبية أخرى ما زالت في أرض الشام وفلسطين؛ ولذلك قرر أن يستأنف حركة الجهاد فورًا، وأن يجعل الهدف القادم هو تحرير مدينة أنطاكية، وما يتبعها من مدن إسلامية؛ ليُسقِط بذلك الإمارة الثانية للصليبيين.
غير أن الهدف يتطلب منه القتال في غرب الفرات، وفي أرض الشام بصفة عامة، وهذا يحتاج إلى إعداد خاص، وإلى تجهيزات معينة، ولعل أهم الأمور التي كانت تشغل ذهن عماد الدين زنكي هو وضع مدينة دمشق!
لقد تعاونت قبل ذلك تعاونًا صريحًا مع الصليبيين لقتال عماد الدين زنكي، ولم تتردد دمشق أن تحارب مدينة بانياس التابعة لعماد الدين زنكي، وتطرد حاميتها المسلمة لتسلِّمها بعد ذلك للصليبيين! ومن هنا فقتال الصليبيين دون ضمِّ دمشق سيعتبر مخاطرة كبيرة، كما أن قتال الصليبيين
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 333.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 333، وابن العديم: زبدة جلب 2/ 281.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 334.