فهرس الكتاب
في هذه المناطق الموغلة في الغرب يحتاج إلى قواعد عسكرية قريبة تنطلق منها الجنود أو تعود إليها، وتعتبر دمشق بموقعها المتوسط في الشام، وبحصانتها المعروفة مركزًا مثاليًّا لهذه المهمة.
وعلى هذا فقد جهَّز عماد الدين زنكي جيشه، وانطلق في شهر شعبان (540هـ) يناير 1146م لحصار دمشق [1] !
غير أن الأخبار وصلت وهو في طريقه إلى دمشق أن هناك مؤامرةً تمت في إمارة الرها، وذلك بالتنسيق بين بعض رءوس الأرمن وجوسلين الثاني تهدف إلى التخلص من الحامية الإسلامية هناك، وإعادة الحكم الصليبي!
غيَّر عماد الدين زنكي مساره بسرعة، وانطلق إلى الرها، واستطاع بفضل الله إخماد الفتنة، وأعدم المتآمرين، ورحَّل مجموعة أخرى من المشتركين في المؤامرة، واستقدم بدلًا منهم ثلاثمائة أسرة يهودية، فأسكنهم في الرها [2] ؛ وقد فعل ذلك لأنه كان يعلم شدة الكراهية بين اليهود والنصارى، فلن يحدث بذلك تواطؤ جماعي ضده، وسيصبح كل طرف منهما عينًا على الآخر، وبذلك لا تتفاقم الأحداث، وتصل إلى حدٍّ يؤثِّر في مجريات الأمور.
استقرت الأمور في الرها، وفكر عماد الدين زنكي مرة ثانية في التوجه إلى دمشق، غير أنه من موقعه الجديد وَجَد أن هناك إحدى القلاع العسكرية المملوكة لبني عقيل، وهي قلعة جَعْبَر، تقع على الطريق إلى دمشق، وهي على الفرات بين بالس والرَّقَّة قرب صِفِّين (صورة 10) ، وقد رفض أمير هذه القلعة، وهو عز الدين علي بن مالك العقيلي أن يدخل في طاعة عماد الدين زنكي. وهكذا صارت هذه القلعة في وسط دولة عماد الدين زنكي، كما أنها تهدِّد جيش عماد الدين زنكي الذي سيجتاز المنطقة.
هنا قرر عماد الدين زنكي أن يحاصر هذه القلعة حتى يُسقِطها، وكان هذا الحصار في أواخر سنة 540هـ\ منتصف 1146م [3] .
استمر الحصار عدة أشهر، فقد كانت القلعة حصينة جدًّا، ولم يكن عماد الدين زنكي يحاصرها بكل جيوشه، حيث فرَّق جيوشه هنا وهناك لحماية الدولة الواسعة، خاصةً أن هناك بعض الاضطرابات حدثت في شمال الموصل، وكان سببها إحدى طوائف الأكراد، وهم الأكراد البشنوية،
(1) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 281، وابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص282.
(2) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 281، وابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص282،
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 338، وابن العديم: زبدة حلب 2/ 281.