فهرس الكتاب
وكانوا تحت قيادة حسام الدين تمرتاش، فأرسل إليهم عماد الدين زنكي فرقةً من جيشه لإخضاعهم، وحصار أهم قلاعهم، وهي قلعة فَنَك على نهر دجلة [1] .
مرت الأيام والشهور وعماد الدين زنكي - رحمه الله - صابر على الحصار، لا يكلُّ ولا يملُّ، ولا يخلد إلى الراحة أبدًا. وفي ليلة من ليالي الحصار، وتحديدًا مساء يوم السادس من جمادى الآخرة سنة 541هـ\ الخامس عشر من سبتمبر 1146م أَذِن الله - عز وجل - لهذا الجسد المتعب أن يستريح، ولهذه الروح الوثَّابة أن تصعد لبارئها!
لقد دخل عماد الدين زنكي لينام في هذه الليلة، فدخل عليه أحد خُدَّامه، وكان اسمه يرنقش، فذبحه وهو نائم! لتنتهي بذلك حياة البطل الذي دوَّخ الصليبيين، والذي رفع رأس المسلمين عاليًا بعد سنوات طويلة من الذِّلة والهوان.
وأسرع الخادم بعد أن قتل سيِّده وسيد المسلمين، ونادى على أهل القلعة يبشِّرهم ويقول: لقد قتلتُ عماد الدين زنكي. ولكنه فُوجِئ بردِّ فعل عجيب لأهل القلعة المحاصَرين، والذين كان عماد الدين زنكي يقاتلهم منذ قليل! لقد قالوا جميعًا:"لقد قتلت المسلمين كلهم بقتله!" [2] .
نعم، لقد كانت خسارة فادحة أن قُتل عماد الدين زنكي، لتفقد الأُمَّة كلها عَلَمًا فذًّا من أعلام الجهاد، ونجمًا لامعًا من نجوم السياسة والقيادة، ومجدِّدًا حقيقيًّا لهذا الدين، ورجلًا من طراز خاصٍّ، ظهر في زمنٍ قلَّ فيه الرجال!
ولا شك أن الجميع يتساءل: لماذا قَتَل هذا الخادم الجبان زعيمَ المسلمين وقائدهم في هذا الوقت الحرج؟!
والواقع أن جريمة قتل عماد الدين زنكي علامة استفهام كبيرة في التاريخ الإسلامي، اختلف المؤرِّخون في القديم والحديث على أسبابها؛ وتذكر بعض الكتب أن السبب كان نتيجة تهديد عماد الدين زنكي للخادم في بداية نومه؛ لأنه كان يرفع صوته أكثر مما ينبغي عند نوم عماد الدين زنكي، فخاف الخادم من هذا التهديد، فقتل عماد الدين زنكي!
وهذا الاحتمال في نظري بعيدٌ جدًّا، فليس الخطأ الذي ارتكبه الخادم بالذي يخشى عاقبته، ومهما كان العقاب كبيرًا فهو سيكون في النهاية بسيطًا. كما أن المشتهَر عن عماد الدين زنكي رحمه الله أنه كان يعامل خدَّامه بالرأفة والرحمة، ولم يُؤْثَر عنه في حياته قَطُّ أن ضرب خادمًا أو آذاه، وهذه الجريمة التي ارتكبها الخادم لا بد أن عقابها سيكون القتل، فيكف يغامر الخادم بحياته احترازًا من عقابٍ متوهَّم؟!
لكل هذا فأنا أرجِّح أن هذا الاحتمال بعيد، وإن وَجَد رواجًا في بعض الكتابات، وتناقله بعض المستشرقين وأتباعهم؛ لأنه في النهاية يشوِّه صورة عماد الدين زنكي، ويُظهِره بمظهر السيد المتعجرف الظالم، الذي يهدِّد خادمه تهديدًا مرعبًا يدفع الخادم إلى قتله! وهذا - كما ذكرنا - مخالفٌ لوقائع الأمور.
أما أنا فأعتقد أن خلفيات القتل ودوافعه لن تخرج عن ثلاثة، وهذه الأسباب الثلاثة هي أسباب خارجية أثَّرت في الخادم واستغلته لتحقيق مآربها، وقد يكون هناك تعاون بين بعض هذه الجهات لتحقيق نفس الهدف.
أما الاحتمال الأول: فإن بعض المؤرخين يرجِّحون أصلًا أوربيًّا لهذا الخادم، فقد كان من المماليك، فلعله كان يحقد حقدًا كبيرًا على عماد الدين زنكي لانتصاراته المتتالية على الصليبيين، خاصةً بعد انتصاره الأخير وإسقاط إمارة الرها، فانتقم لقومه بقتل عماد الدين زنكي.
وأما الاحتمال الثاني: أن يكون الخادم باطنيًّا، ونحن نعرف مدى عنف هذه الطائفة، وما أكثر الجرائم التي ارتبطت بالباطنية في هذه الفترة، وقد تخصصوا في الاغتيالات السياسية الكبرى. ولا يخفى على أحدٍ مدى تأثر الباطنية بجهد عماد الدين زنكي ونشاطه، فلا شك أن هذا الزعيم الإسلامي الكبير كان قامعًا للفساد، محاربًا للجريمة، ناشرًا للعدل في ربوع إمارته. وهذا كله وسطٌ لا يصلح للعمل لأولئك الباطنية المفسدة، إضافةً إلى أن عماد الدين زنكي كان زعيمًا سُنِّيًّا متمسكًا بالشرع، ولا شك أن هؤلاء الإسماعيلية الخبثاء كانوا يمقتونه أشد المقت، ولا يستبعد أبدًا أن يقتلوه، أو يبثوا عليه مَن يقتله.
أما الاحتمال الثالث - وهو أقرب عندي - هو أن يكون هناك اتفاق بين هذا الخادم وبين زعيم قلعة جَعْبَر المحاصَرة في ذلك الوقت، وهو عز الدين بن مالك العقيلي، وأنه قد يكون أغراه بالمال أو الإقطاع أو المنصب أو غيره. ويقف مع هذا الاحتمال دليلان، أما الدليل الأول فهو أن الخادم أسرع فورًا إلى القلعة بعد قتل عماد الدين زنكي يبشِّرهم بهذه الجريمة [3] ، فهذا يشير إلى احتمال اتفاق بينه وبينهم. وأما الدليل الثاني فهو ما نقله ابن العديم من حوارٍ دار بين زعيم القلعة عز الدين علي بن مالك وحسان البعلبكي زعيم مَنْبِج، عندما سأله زعيم منبج عن الذي يمكن أن ينجيه من حصار عماد الدين زنكي! فقال له عز الدين العقيلي: الذي أنجاك يوم حُصِرت بمنبج [4] ! وكان سبب نجاة حسان البعلبكي يوم حصره بلك بن بهرام في مدينته أن قُتِل بلك بن بهرام بسهم غَرْبٍ لا
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 339، وابن واصل: مفرج الكروب 1/ 99،98.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 340،339، وابن العديم: زبدة حلب 2/ 282،281، وابن واصل مفرج الكروب 1/ 99.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 340،339.
(4) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 283.