الموقعة بلاءً حسنًا غير مسبوق، وأظهر شجاعة نادرة [1] ، ومقدرة قتالية فذَّة، حتى اكتسب شهرة واسعة في كل بلاد المسلمين، وصار حديث الناس، كما كان أبوه حديث الناس وأشدّ!
ثم قُتِلَ مودود رحمه الله.
وكانت صدمة كبيرة لعماد الدين زنكي، فقد أحبَّه حبًّا شديدًا من أعماقه، ثم إنها كانت صدمة لاكتشافه بحجم المؤامرات الدنيئة في العالم الإسلامي، وعَلِم على وجه اليقين أن قتال الصليبيين مستحيل في وسط هذه الأجواء، وليس هناك بُدٌّ من إصلاح الداخل قبل الصدام مع الأعداء الخارجيِّين.
ثم تولَّى آق سنقر البرسقي ولاية الموصل للمرَّة الأولى، وذلك من سنة (507هـ) 1113م إلى سنة (509هـ) 1115م، واشترك معه عماد الدين زنكي بقوة في معاركه ضد الصليبيين، وحاصر معه الرها وسُمَيْساط وسروج، مما زاد من شهرة عماد الدين زنكي لدى الجميع [2] .
ثم بعد عزل آق سنقر البرسقي سنة (507هـ) 1115م، وتولية جيوش بك دخل عماد الدين زنكي تحت زعامة الأمير الجديد، وعندما حاول جيوش بك أن يقوم بمحاولة انقلابية على السلطان محمود سنة (514هـ) \ 1121م، رفض عماد الدين زنكي أوامر قائده الأقرب جيوش بك، وأصرَّ على الولاء للسلطان الأعلى محمود، وقد فشلت هذه المحاولة الانقلابية، ورفع هذا كثيرًا من أسهم عماد الدين زنكي عند السلطان محمود [3] .
ثم أُعِيد تولية آق سنقر البرسقي على الموصل سنة 515هـ، فعاد عماد الدين زنكي من جديد إلى تبعيَّته آق سنقر البرسقي، وعندما انتُدِبَ آق سنقر لإدارة الأمن في بغداد للسيطرة على بعض الأمور الخطيرة سنة (516هـ) 1122م، وكان دُبَيْس بن صَدَقَة قد قاد ثورة في بغداد للسيطرة على الحكم هناك، أخذ آق سنقر عماد الدين زنكي معه لثقته في قدراته العسكرية والإدارية، بل إن آق سنقر البرسقي ولَّى عماد الدين زنكي منطقة واسط حيث المركز الرئيسي لدبيس بن صدقة ليكون في مواجهته مباشرة، ممَّا يدلُّ على عظيم ثقة آق سنقر في القائد العظيم عماد الدين زنكي. وبالفعل استطاع عماد الدين زنكي أن ينتصر على دبيس ويعيد الأمور إلى نصابها، ولما هاجمت الأعراب مدينة البصرة هجمات متكرِّرة أعطى آق سنقر ولاية البصرة لعماد الدين زنكي للسيطرة على الأوضاع هناك، فنجح في فترة وجيزة أن يُسَيْطِر على الأعراب ويمنع هجماتهم، مما جعله بحقٍّ رجل المهام الصعبة في الدولة السلجوقية [4] .
(1) يقول عنه ابن الأثير بعد هذه المعركة:"وكان له الشجاعة في الغاية": الكامل في التاريخ 9/ 153.
(2) ابن الأثير: الباهر ص20،19.
(3) ابن الأثير: الباهر ص24.
(4) ابن الأثير: الباهر ص26 - 28.