الصفحة 51 من 390

وهكذا صار ملك السلاجقة موزَّعًا على الصورة الآتية في نهاية القرن الخامس الهجري (نهاية القرن الحادي عشر الميلادي) (خريطة 8) :

أولًا: دولة السلاجقة الكبرى وهي التي خلفها ملكشاه الأول، وظلت تحكم أقاليم واسعة أهمها العراق وإيران، وكانت لها السيطرة المباشرة على الخلافة العباسية، وهذه كان بها صراعات داخلية، وإن كانت ظلت متماسكة إلى حدٍّ ما، وكان يحكمها خلفًا لملكشاه ابنه الأكبر بركياروق، وقامت ضده عدة ثورات من أقاربه وأعمامه، ولكنه ظل حاكمًا حتى وفاته (498هـ) 1104م [1] .

ثانيًا: بيت سلاجقة كرمان (جنوب إيران ومنطقة باكستان) ، وهم عشيرة قاروت بك بن داود بن ميكائيل بن سلجوق، وهو أخو القائد الكبير ألب أرسلان.

ثالثًا: سلاجقة عراق العجم وكردستان (في شمال العراق) .

رابعًا: سلاجقة الشام، وهم بيت تتش بن ألب أرسلان، وهؤلاء انقسموا على أنفسهم عدة انقسامات، وفتَّتوا الشام إلى عدة إمارات، سنأتي لتفصيلها بإذن الله.

خامسًا: سلاجقة الروم بآسيا الصغرى، وهم بيت قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق، والذي كان أكبرهم سليمان بن قتلمش أقوى ملوكهم، الذي قُتل سنة (478هـ) 1086م كما بينا.

ونتيجة هذه الصراعات المتتالية صار الوضع مزريًا قبيل دخول الجيوش الصليبية إلى أرض المسلمين.

ففي أرض الشام صارت حلب إمارة مستقلة تحت زعامة رضوان بن تتش، وصارت دمشق أيضًا إمارة مستقلة تحت حكم دقاق بن تتش، أما فلسطين فقد كانت تحت حكم سقمان وإيلغازي أولاد أرتق التركماني، وهو أحد القادة الذين كانوا يتبعون تتش بن ألب أرسلان [2] .

ثم إن الدولة العبيدية (الفاطمية) - التي كانت تحكم مصر آنذاك - كانت متفوقة في أسطولها البحري عن السلاجقة؛ مما مكَّنها من السيطرة على موانئ الشام، وأهمها صور وصيدا وعكا وجبيل، غير أن ميناء طرابلس كان إمارة مستقلة تحت حكم ابن عمار أبي طالب، وهو من الزعماء الشيعة المنشقِّين عن الدولة العبيديّة [3] .

فكان هذا هو حال الشام! وهي المنطقة التي ستوجَّه إليها الحملات الصليبية القادمة.

ولم يكن حال آسيا الصغرى بأفضل من حال الشام، وخاصةً بعد مقتل سليمان بن قتلمش سنة (478هـ) 1086م [4] ، وكان السلطان ملكشاه قد أخذ ابن سليمان بن قتلمش وهو قلج

(1) انظر: ابن كثير: البداية والنهاية 12/ 150، 164، وابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص127.

(2) سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/ 96، وعماد الدين خليل: الإمارات الأرتقية في الجزيرة والشام ص66،65.

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 425،424.

(4) النويري: نهاية الأرب 27/ 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت