الصفحة 28 من 29

العزيمة وقوة الإرادة والتعفف عن أموال الناس حتى يجد الإنسان سدادًا، ثم إن الشعوب التي تتعلم هذه الفضيلة يقوى اقتصادها وتزداد إمكانياتها وخاصة إذا عرفت هذه الشعوب كيف تستثمر ما ادخرت في مشاريع نافعة .. وأما هذه الشعوب (مخروقة الجيب) باسطة اليد كل البسط في الحلو المر وما يفيد وما لا يفيد، فإنه تظل شعوبًا فقيرة محتاجة عالة على غيرها. والحال شاهد الآن في شعوبنا العربية التي لا تعرف إلا الاستهلاك والإسراف والبذخ، ومد اليد، وطلب المعونات وما ذلك في أغلبه من حاجة حقيقية وإنما لِلْعَبِّ الدائم من منتجات هذه الحضارة الزائفة، وقد سهل شياطين الاقتصاد الغربي ذلك لهذه الأمة عن طريق التداين، والبيع بالأقساط حيث يأخذ المشتري بمقدم قليل أو دون مقدم أحيانًا، ثم يجر المشتري إلى عجلة الربا اللعينة ولا شك أننا نحتاج اليوم إلى التنفير من بيع الأجل وخاصة مع هذه الزيادة الربوية لما يؤدي ذلك، وقد أدى فعلًا إلى ربط اقتصاد أمتنا بعجلة الاقتصاد الغربي الربوي وبأن نظل شعوبًا فقيرة مدينة تمد يدها دائمًا.

ولو أن شعوبنا تعودت ألا تشتري إلا ونقودها في يدها لتحولنا إلى نمط آخر من الشعوب حيث يقوى اقتصادنا، ونعتمد على أنفسنا ويتوفر لدينا من المال ما نستطيع أن نقيم به حياتنا.

فهل بعد ذلك يمانع عاقل في أنه يجب علينا التنفير من بيع الأجل كله حتى ولو لم يكن فيه هذه الزيادة الربوية ولا أقول إنه بدون زيادة حرام بل مباح، وإنما ألفت النظر هنا إلى خطورة القول بالإباحة المطلقة هكذا دون مراعاة المفاسد المترتبة عليه وإذا احتج أحد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم توفى ودرعه مرهونة عند يهودي ... أحب أن أذكره أن الرسول فعل ذلك في ثلاثين صاعًا من الشعير طعامًا لأهل بيته فقد كان من باب الضرورات ولم يكن ذلك في سبيل غرفة نوم ذات طراز جديد أو نحو ذلك مما يتسابق فيه الناس دينًا وإلى أجل فكيف وإذا كان ذلك مع الزيادة الربوية؟!

قد يقول قائل بعد كل هذا العرض، وماذا بقى من الحلال؟

والجواب: أن الحلال واسع جدًا وهو الذي رتب الله عليه الخير كله والبركة. وأما الربا فإن الله يمحقه، ويتوعد فاعله بحرب منه سبحانه وتعالى، وكل الذي حذرنا منه إخواننا في هذه الرسالة ألا يجعلوا للسلعة سعرين سعرًا للنقد وسعرًا للأجل والتاجر المسلم الطيب هو الذي يبيع بسعر واحد فإن كان مع المشتري نقد دفعه، وإن لم يكن معه فإما أن يصبر حتى يوجد عنده وهذا أفضل من تحمل الدين، لما فيه من النهي والوعيد الشديد، فإن الله يغفر الذنوب إلا الدين، وهو من أسباب عذاب القبر، وإما أن يمهله التاجر حتى يجد سدادًا دون أن يزيد عليه هذه الزيادة الربوية من أجل الأجل. وبهذا تعظم الأخوة وتزداد البركة. وقد شاهدنا بأعيننا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت