البيع في حديث ابن عمرو رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم] (رواه الإمام أحمد وأبو داود، قال الشوكاني:"أخرجه الطبراني وابن القطان وصححه وله طرق يشد بعضها بعضا". وخرجه ناصر الدين في الأحاديث الصحيحة رقم 11 وقال:"وهو حديث صحيح لمجموع طرقه"، وهو في صحيح الجامع برقم 416) .
ولا شك أن هذا النوع من البيع بيع باطل، لأنه وسيلة إلى الربا، فيه آثار كثيرة عن الصحابة بتحريمه، وقد يدخل في عموم نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة ولكن قول الرسول صلى الله عليه وسلم [من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا] لا ينطبق على هذا البيع لأنه إذا باع السلعة ثم اشتراها بنفس ثمنها لا يصبح معنى لهذا البيع، وإنما كانت العينة وسيلة إلى الربا لأن البائع يبيع السلعة بسعر مرتفع إلى أجل ثم يشتريها ممن اشتراها منه بسعر أقل في الحال فكأنه داينه ألفًا (مثلًا) بألف وثلاثمائة إلى أجل. وإنما كان البيع والشراء في هذه الحالة إنما هو من باب الحيلة على الربا فلو أن البائع عاد واشترى ما باعه بنفس ثمنه لم يكن لفعله معنى ولا يمكن أن يكون هذا تفسيرًا لقوله صلى الله عليه وسلم [فله أوكسهما أو الربا] ولو فرضنا أن هذه المعاملة داخل في عموم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة فإن ذلك لا يمنع دخول صور أخرى تحت عموم الحديث.
والخلاصة أن الصور الأربعة الفائتة هي تقريبًا كل ما فسر به هذا الحديث. وإذا فرضنا جدلًا أن كل هذه التفاسير صحيحة فليس هناك ما يدعو إلى إخراج الصورة الأولى التي فسر السلف بها الحديث وهي القول بأن هذه السلعة نقدًا بكذا ونساءً بكذا وكذا. بل هذه حتمًا هي الصورة المرادة. ومعلوم أن العموم يبقى على عمومه ولا يجوز إخراج فرد من أفراد العام إلا بدليل. وليس هنا دليل يجيز لنا إخراج هذه الصورة أعني قول البائع (هذه السلعة نقدًا بكذا وأقساطًا بكذا وكذا) .
وهكذا يتحقق الآن أن الدليل الأول على تحريم هذا البيع هو النص الصحيح الجلي من كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال الله في شأنه {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وقال أيضًا {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} .
الدليل الثاني على تحريم هذا البيع هو قول الصحابي الذي لا مخالف له ولا شك أن قول الصحابي الذي لا يخالف الحديث حجة. وقد أخذ بذلك عامة الفقهاء كما قال الإمام أبو حنيفة:"دعوا قولي لقول أصحاب"