الصفحة 24 من 29

ثالثًا: القياس الصحيح:

القياس مصدر من مصادر التشريع، وقد اعتبره عامة العلماء والشريعة الحكيمة لا تفرق بين متماثلين، وكذلك لا تجمع بين مختلفين. وبيع الأجل بزيادة عن بيع الحاضر هو عين ربا النسيئة فربا النسيئة هو مداينة مال إلى أجل بزيادة معلومة. وكذلك قول البائع: هذه بألف الآن وبألف ومائة إلى سنة ما حقيقة ذلك؟ حقيقة إذا قال المشتري قبلتها إلى سنة أن البائع باع السلعة بألف ولما لم يكن عند المشتري هذه الألف نقدًا فإنه أمهله لسداد هذا الألف سنة في مقابل أن يعطيه فائدة هي العشر. ومما يزيد الأمر وضوحًا أن تنظر اليوم إلى كيفية تعامل الناس بهذا البيع لتعلم أن نظرتهم إليه هي تمامًا نظرتهم إلى الفائدة الربوية في مقابل الأجل. فالإعلانات التجارية تطالعك كل يوم: (هذه السيارة بدون فوائد لمدة سنة، وبالأقساط لثلاث وأربع سنوات) . والمعنى إنك إن سددت في العام الأول لم تحسب عليك فائدة الدين. ثم ما معنى أن تكون الزيادة في بيع الأجل هي نفس الزيادة الربوية في القرض؟ وأن يحسب لك البائع الفوائد حسب السداد والأقساط فإن كان السداد في سنة كان المبلغ كذا. وإن كان في سنتين زادت النسبة وهكذا.

هل يعني كل ذلك إلا أن البائع ينظر إلى الأجل نظرة المرابي إلى الأجل، وأنه يشعر بأنه قد داينك مبلغًا وهو يريد فائدة هذا المبلغ من أجل المدة التي تتأخر فيها عن السداد وهل اقتران هذه الزيادة بالبيع يغير من الأمر شيئا؟ والبيع حلال ولا شك ولكنه يكون حرامًا إذا كان وسيلة إلى الحرام. أو إذا اختلط به الحرام واقترن به. وهذا بيع مقترن بالربا ولا فرق بتاتًا بين أن يداينك التاجر مائة إلى سنة بمائة وعشر وأن يبيعك شيئًا بمائة الآن فإذا قلت له أسدد بعد سنة قال لك بمائة وعشر لأن حقيقة ذلك أنه داينك ثمن السلعة إلى سنة بزيادة العشر. ولهذا لم يجد الناس فرقًا بين أن يقوم التاجر بنفسه بهذه المداينة، وأن يقوم طرف ثالث بها كشركات التسهيلات والبنوك لأن هذه المؤسسات تسلف المشتري ثمن السلعة وتأخذ منه الزيادة. وهي إما أن تعطي التاجر نفسه ثمن السلعة نقدًا، وتستوفي منه. أو أن تعطي المشتري نفسه ثم تستوفي منه. ولا فرق بين هذا وهذا. المهم أن الناس أصبحوا ينظرون إلى عمل هذه المؤسسات الربوية على أنه أمر طبيعي جدًا لأنه مكمل عندهم لصفقة البيع. ولأن هذا من لوازم بيع الأجل ومن نتائجه. وبالتالي فعندهم الفائدة التي تتقاضاها البنوك وشركات التسهيلات هي نفس الزيادة التي يتقاضاها التاجر. وبذلك سهل عليهم أن يسددوا للتاجر، أو لهذه المؤسسات الربوية، لأن الأمر عندهم أصبح واحدًا. فهم سيسددون زيادة من أجل الأجل وسواء سددوها للتاجر الذي اشتروا منه، أو سددوها للبنك أو شركة التسهيلات التي يحولهم التاجر عليها. وبذلك أصبح الربا عنصرًا أساسيًا من عناصر البيع!! فهل بعد ذلك من فساد في الطبع والأخلاق والمعاملات ومن خلط للحرام بالحلال. ومن أجل ذلك قلنا في هذه الفقرة إن نظرة الناس وتعاملهم إلى الزيادة التي يأخذها التاجر في مقابل الأجل هو نفس نظرتهم إلى الزيادة (الفائدة) على الدين. وهذا ما لا ينبغي أن يتوقف عنده أي منصفٍ من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت