عليه أحكام الفقه السياسي، وهي التي يجب أن تكون مقياسا لمراجعة تلك الأحكام كما وردت في التراث.
وإنما نؤكّد على ذلك لأنّ الكثير من الأحكام في السياسة الشرعية انبنت على الاجتهاد، ولكنّها لثباتها في مؤلّفات هذا العلم، وتناقلها جيلا عن جيل اكتسبت في الثقافة الإسلامية ما يشبه المصدرية التي تعلو بها على المراجعة والتغيير، والحال أنّها باعتبارها اجتهادا مرتبطا بظروف معيّنة تحمل قابلية التغيير ليكون النصّ هو المرجع الذي تنبني على أساسه المراجعة لكلّ اجتهاد.
وذلك بالرجوع إلى الخلافة الراشدة فيما مارسته من شؤون الحكم والسياسة، فقد كانت تمثّل الانطلاقة الإسلامية الصحيحة في هذا الشأن، وقد رسمت من التوجّهات النظرية والعملية في الفقه السياسي ما ظلّ كثير منه محجوبا عن أنظار فقهاء السياسة في الأزمنة اللاحقة؛ وذلك لما حدث من انتكاس في التاريخ اللاحق للدولة الإسلامية أفضى إلى انتكاس أيضا في فقه أولئك الفقهاء، خضوعا لسطوة الواقع الذي جرت عليه الحالة السياسية للدولة الإسلامية.
والرجوع إلى هذا الميراث السياسي الراشد يمثّل إذن موردا ثريّا لمراجعة ما استقرّ في التراث الفقهي من أجل التجديد، وليس مقتضى هذا الرجوع إلى الخلافة الراشدة أن تكون التصرّفات السياسية التي مارستها هذه الخلافة ملزمة في الاجتهاد الفقهي، فالملزم إنما هو النصّ وما انبنى عليه من إجماع، وإنما يكون الرجوع إليها على معنى التأسّي بها والاستئناس بتقريراتها الفقهية، فقد كانت أقرب التصرّفات السياسية إلى روح الدين وفلسفته في الشأن السياسي، كما كانت تتّصف بالإضافة إلى ذلك بالتعدّدية والثراء، وهو ما يرشّحها إلى أن تكون مرجعا معتبرا في مراجعة الفقه السياسي.