الصفحة 7 من 30

الحكم تهيّبا للسلطان خوفا أو تعفّفا، وذلك خلافا للفروع الفقهية الأخرى التي ظلّت متفاعلة مع الواقع، عاملة من أجل تسديده بحسب المقتضيات الدينية، فإذا التقريرات الفقهية السياسية تفقد حيويتها وتجدّدها بهذا الانفصال، وتسقط مبكّرا في الجمود وترسف فيه طويلا.

وقد ورث عصرنا الراهن هذا الوضع، الذي انحسرت فيه السياسة الشرعية من ساحة الفعل السياسي في حياة المسلمين، وبقيت حبيسة التراث، الذي بقي هو بدوره مستصحبا للمفاهيم التي نشأ عليها علم السياسة الشرعية، وحتى تلك الأحكام التي وقع فيها اجتهاد بقيت حبيسة النظر المجرد، ولم تتفاعل مع الواقع، إذ كان هذا الواقع خاضعا للمنظومة السياسية المستجلبة من الثقافة الغربية، وهكذا انتهى الأمر في علم السياسة الشرعية إلى كونه في مجمله علما تراثيا، لا يؤثر في الواقع، ولكنه يؤثّر في عقول كثير من الدارسين للعلوم الشرعية بصفة مباشرة، وفي عقول الكثير من عامّة المسلمين بصفة غير مباشرة عبر تأثير الثقافة الإسلامية المترسّبة في أذهان المسلمين، وهو ما يجعل أولئك وهؤلاء يطالبون بتوجيه العمل السياسي وفق ذلك التراث، أو يتصرفون في ممارساتهم السياسية وشبه السياسية وفق ذلك، والحال أنّ الواقع الذي تقدّم من أجله تلك المطالب وتمارس تلك التصرفات هو واقع لا تتناسب معه كثير من الأحكام التي يتضمّنها التراث الفقهي السياسي، وهو ما يستلزم مراجعة تلك الأحكام ليكون تنزيلها على الواقع الراهن محقّقا للمقاصد الشرعية منها ..

إنّ مراجعة الفقه السياسي الإسلامي يقتضيها الوضع الذي عليه هذا الفقه، وذلك من حيث نسبته من مجريات الواقع السياسي الراهن، ومدى ما يمكن أن تحقّق الأحكام الواردة فيه من المقاصد المطلوب تحقيقها، كما يقتضيها أيضا ما بُني عليه كثير من تلك الأحكام الشرعية من أدلّة يبدو أنّها مرجوحة من حيث ذاتها، وتأكّدت مرجوحيتها باعتبار تطوّر الأوضاع التي قامت من أجل معالجتها. ويمكن تلخيص هذه المبرّرات لضرورة المراجعة في الفقه السياسي فيما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت