الصفحة 19 من 30

الإمامة لم يثبت عدد معدود ولا حدّ محدود، فالوجه الحكم بأنّ الإمامة تنعقد بعقد واحد من أهل الحلّ والعقد" [1] ."

لقد ورد في فقه السياسة الشرعية تقرير لحكم البيعة، وهي عقد بالتراضي بين الإمام المختار وبين المبايعين له من الأمّة على حقوق وواجبات تترتّب على كلّ منهما، وأُسندت هذه البيعة إلى مجموع الأمّة في بعض المدوّنات الفقهية، ولكنّها تُلفَى عند التأمّل مفرغة مما يقتضيه عنوانها من مضمون الاختيار الشعبي، وتكاد تنحصر في تزكية ملزمة للاختيار الذي تقوم به القلّة من الأفراد والذي يكون هو العاقد الحقيقي بالإمامة للإمام، وهو ما أوضحه الماوردي وتابعه فيه من جاء بعده من أغلب فقهاء السياسة الشرعية، إذ يقول متحدّثا عن أهل الحلّ والعقد:"فإذا تبيّن لهم من بين الجماعة من أدّاهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها عليه، فإن أجاب إليها بايعوه عليها، وانعقدت بيعته له الإمامة، فلزم كافّة الأمّة الدخول في بيعته، والانقياد لطاعته" [2] .

وإذا كان الأمر على هذا النحو من استبعاد الأمّة عن ممارسة حقّها في اختيار رئيس الدولة الذي هو أمر يهمّ كلّ فرد من أفرادها، فإنّ استبعادها عن ممارسة حقوقها في الاختيار الحرّ فيما هو أدنى من ذلك قد كان أوسع وأشمل، حتى أصبحت الأمّة في مجملها تكاد لا تظفر بحقّ في أن يكون لها رأي تختار به الرؤية التي تريدها منهجا لحياتها، وقد حُوّلت تلك الصلاحية لرئيس الدولة، أو لقلّة قليلة من أفراد المجتمع الإسلامي. وقد استحدث الفقه السياسي لتضييق سلطان الأمّة في إنفاذ إرادتها ثلاث وسائل فعّالة هي: أهل الحلّ والعقد، وتولية العهد، والشوكة.

تقرّر في الفقه السياسي أنّ أمور الأمّة في الاختيار موكول إلى فئة قليلة من أفرادها تسمّى بأهل الحلّ والعقد، وهو مصطلح غير محدّد المعالم، وقد ينتهي مدلوله في بعض الأحيان إلى الرجل الواحد كما أشار إلى ذلك إمام الحرمين في موضع آخر من كتابه الغياثي

(1) إمام الحرمين: الإرشاد: 357 (ط مؤسسة الكتب الثقافية/ ةبيروت 1985)

(2) الماوردي ـ الأحكام السلطانية: 17

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت