إنما المطلوب من الفقه عامّة والفقه السياسي ضمن ذلك هو أن يكون هذا الفقه مرشدا للحياة الواقعية للمسلمين كي تتوجّه بما تقتضيه الأحكام الدينية، وبما أنّ الحياة بصفة عامّة والحياة السياسية بصفة خاصّة متطوّرة أحوالها مستأنفة ابتلاءاتها، فإنّ الفقه السياسي مطلوب منه أن يكون مواكبا لتلك التطورات، مجيبا على تلك الابتلاءات، خاصّة وأنّ النصوص القطعية في هذا الشأن محدودة جدا، وهو ما يقتضي أن يكون مجال المتابعة الفقهية لمتجدّدات الأوضاع مجالا واسعا. ولكنّ الناظر في الفقه السياسي الإسلامي كما وصلتنا صورته التراثية، وكما هو معروض اليوم يجد أنّ هذا الفقه يستقرّ على واقع لا يقدر به على متابعة التطورات السياسية للمسلمين، والإجابة على ما تطرحه تلك التطورات من الأسئلة، وهو ما يقتضي نظرا تجديديا في هذا الفقه يعدّل وضعه ليكون فاعلا في مسايرة الحياة السياسية للمسلمين وتوجيهها نحو سمتها الديني الصحيح.
إذا كان الفقه الإسلامي بصفة عامّة قد أصابه بعد فترة من ازدهاره حال من الجمود تعطّل فيه الاجتهاد وتوقّف التجديد لزمن غير قصير، فإنّ الفقه السياسي بصفة خاصّة قد أصابه من ذلك الحظّ الأوفر، سواء من حيث الفترة الزمنية التي استمرّ فيها الجمود، أو من حيث شدّة التجمّد وتعطّل الاجتهاد، حتى ليمكن القول إنّ هذا الفقه ما يزال إلى حدّ الآن في شطر كبير منه يرسف في قيود الماضي دون أن تناله حركة الاجتهاد بما يتّجه به إلى التجديد الفاعل سوى استثناءت قليلة، في حين حرّك الاجتهاد فروعا عديدة من فروع الفقه الأخرى ممّا أفضى إلى تجديد مثمر في تلك الفروع.
إنّ ما جاء في كتاب الأحكام السلطانية للماوردني من أحكام فقهية في السياسة الشرعية يُعتبر هو المؤسّس الأكبر للفقه السياسي الشرعي، وهو عين ما جاء ترديده في المؤلفات المتعلقة بهذا الشأن فيما عرف بالمؤلفات في فقه السياسة الشرعية مع اختلافات غير جوهرية تتعلق بهذه المسألة أو تلك من المسائل الفقهية السياسية، وقد ظلّ ذلك