الصفحة 23 من 30

وحينما يُسند حقّ اختيار رئيس الدولة المستقبلي، وعقد البيعة له إلى رئيس الدولة الحالي، فإنّ ذلك معناه أنّ هذا الحقّ سُلب من الأمّة جمعاء وأُسند إلى شخص واحد منها، وهو الإمام العاهد، وحينما يكون أهل الحلّ والعقد غير مخوّلين لتزكية هذا الاختيار، وغير مطلوب رضاهم عنه كما هو الرأي الغالب، فإنّه مهما يكن من كونهم لا يمثّلون الأمّة حقّ التمثيل كما شرحناه آنفا إلا أنّه يُعتبر إيغالا في سلبها سلطانها في هذا الأمر الذي يكاد يتوقّف عليه كلّ سلطان لها في أيّ أمر من أمور حياتها، باعتبار أنّ الحقّ في اختيار الإمام تكاد تتوقّف عليه كلّ الحقوق السياسية الأخرى.

المقصود بالشوكة القوّة العسكرية التي تكون بها الغلبة، وهي في هذا المقام الغلبة التي تمكّن من تنصيب الإمام، وهي آلية أضحت عند الكثير من الفقهاء وسيلة لإهدار سلطة الأمّة في اختيار رئيس الدولة، والاستعاضة عنها بالقوّة العسكرية الغالبة، بحيث يصبح الإمام منتصبا في موقع الإمامة، ومتصرّفا في شؤون الأمّة لا عن إرادة منها، بل عن غلبة قهرية بقوّة السلاح، وقد كان لإمام الحرمين تفصيل مهمّ في هذا الشأن [1] .

هذه الآلية لتولية رئيس الدولة، والمتمثّلة في القوّة العسكرية المعبّر عنها بالشوكة تنزّلت في أغلب مدوّنات الفقه السياسي الإسلامي منزلة مرموقة، وأُسبغت عليها الصبغة الشرعية، حيث أجاز عامّة فقهاء السياسة ولا ية المتغلّب، أي المنتصب للإمامة بالقوّة العسكرية، ومهما يكن من أنّ هذه الشرعية قد أُضفيت عليها في زمن متأخّر من تاريخ الفقه السياسي حيث لم يرد لها ذكر عند الماوردي، ومهما يكن من أنّ التشريع لولاية الغلبة كان فيه تفصيل بين المتغلّب الجامع لشروط الإمامة، والمتغلّب غير الجامع لها، ومهما يكن من أنّ هذا التشريع كان يميل في أغلب الأحيان إلى أن يشرع للتغلّب بعد وقوعه لا قبله،

(1) راجع في هذا الخصوص كتابنا: مقاربات في قراءة التراث: 83 وما بعدها (ط دار البدائل، بيروت 2001)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت