الصفحة 24 من 30

فإنّ هذه الآلية في تنصيب رئيس الدولة أصبحت في عموم الفقه السياسي الإسلاميى آلية مشروعة معترفا بها على نطاق واسع [1] .

إنّ التشريع لآلية الشوكة في عقد الإمامة يلغي حقّ الأمّة في حقّ الاختيار، ويمنح هذا الحقّ للمتغلّب، ولا يقتصر هذا الإلغاء على مصادرة حقّ الأمّة في مجموعها كما هو حال التشريع لأهل الحلّ والعقد، بل يصادر أيضا دور هؤلاء في عقد الإمامة، لتصبح إذن القوّة العسكرية هي صاحبة الحقّ في تنصيب الإمام، وذلك ما نصّ عليه الإمام النووي في قوله:"وأما الطريق الثالث [لعقد الإمامة بعد الاختيار والعهد] فهو القهر والاستيلاء، فإذا مات الإمام وتصدّى للإمامة من جمع شرائطها من غير استخلاف ولا بيعة، وقهر الناس بشوكته وجنوده، انعقدت خلافته لينتظم شمل المسلمين، فإذا لم يكن جامعا للشرائط بأن كان فاسقا أو جاهلا فوجهان أصحّهما انعقادها لما ذكرناه" [2] .

ويبدو أنّ هذه المصادرة لحقّ الأمّة في الاختيار لئن أصبحت شائعة في الفقه السياسي في زمن متأخّر إلاّ أنّها كانت لها بذور مبكّرة عند بعض الفقهاء، فقد روى أبو يعلى الفرّاء أنّ الإمام أحمد"رُوي عنه ما دلّ على أنها [أي الإمامة] تثبت بالقهر والغلبة، ولا تفتقر إلى العقد، فقال في رواية عبدوس بن مالك العطار: ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما، برّا كان أو فاجرا" [3] .

إنّ هذه الآليات الثلاث في تولية رئيس الدولة قد استحدثت في السياسة الشرعية للحدّ من صلاحيات الأمّة في ممارسة سلطانها متمثّلا في اختيار نمط الحياة التي تبتغيه، واختيار من ينوب عنها في تنفيذ ذلك الخيار وهو رئيس الدولة. ومهما يكن من أنّ ظروف الواقع التي جرت به الحياة السياسية الإسلامية قد اضطرّت الفقهاء أحيانا إلى أن يفتوا ببعض الفتاوى التي تقتضي سلب الأمّة بعض صلاحياتها في الاختيار، إلا أنّ تلك الفتاوى

(1) راجع في بحث هذه المسألة بتفصيل: محمد أمزيان ـ في الفقه السياسي: مقاربة تاريخية: 162 وما بعدها (ط مطبعة النجاح، الدار البيضاء، 2001) .

(2) عن المرجع السابق:163

(3) أبو يعلى الفرّاء ـ الأحكام السلطانية: 23 (ط دار الكتب العلمية، بيروت 2000)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت