الظرفية آلت في الغالب الأعمّ إلى تشريع فقهي دائم، لا يجد له سندا من النصوص ولا من تصرفات الخلافة الراشدة، كما لا يجد له مبرّرا في النتائج العملية التي جرى بها الواقع، ولا فيما تغايرت به الأحوال عما كانت عليه زمن ذلك الاجتهاد؛ ولذلك فإنه من المتاكّد مراجعة هذه القضية على ضوء هذه المؤشّرات الثلاثة.
فبالرجوع إلى نصوص الوحي نجد أنّ الأمّة هي صاحبة السلطان في سياسة أمورها، وهو ما يبدو في تقرير مبدإ الشورى على وجه الإلزام كما في قوله تعالى:"وأمرُهم شورى بينهم" (الشورى/38) فإذا كانت تولية الإمام من أعظم الأمر فإن الشورى فيها تصبح من أعظم حقوق الأمّة، كما يبدو في تأكيد الخطاب للأمّة بأن تتولّى أمورها بيدها، وذلك في مثل قوله تعالى:"والسارقُ والسارِقَةُ فاقطعُوا أيديَهما" (المائدة/38) ، فسلطان التنفيذ في الآية إنما أُسند إلى الأمّة دلالة على كونه من اختصاصها، وإذا كانت المباشرة الفعلية لهذا السلطان تقع من رئيس الدولة، فذلك إنما هو على سبيل أنّ الأمّة فوضت إليه تنفيذ مرادهان وأنابته عنها في ذلك.
ولا يوجد في هذه النصوص وغيرها كثير ما يشير إلى إحالة سلطان الأمّة إلى أهل الحلّ والعقد إلاّ أن يكونوا نوّابا عنها فوضتهم التصرّف في صلاحياتها بمحض إرادتها، ولا ما يشير إلى شرعية ولاية العهد بمعزل عن تزكيتها ورضاها كما استقرّ عليه الرأي الغالب في الفقه السياسي، ولا ما يشير إلى شرعية الغلبة العسكرية بالشوكة بالمعنى الذي آل إليه الأمر في ذلك الفقه. وليس في السنة النبوية ما يبرر شرعية هذه الآليات التي تصادر الإرادة الجماعية للأمّة، بل الأمر فيها على عكس ذلك قولا وفعلا، ومن أمثلته ما حدث في وفد هوازن لمّا فوّض صلى الله عليه وسلم الأمر في استرجاع هوازن للسبي إلى مجموع الناس الذين يهمّهم الأمر عن طريق عرفائهم قائلا:"إنّا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس، فكلّمهم عُرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيّبوا وأذنوا" [1] . فقد أرجع النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأمة إليها لتتشاور فيه، ولم يُحلّ أحدا محلَّها في ذلك، لا
(1) أخرجه البخاري: كتاب الوكالة، باب إذا وهب شيئا لوكيل