أهل حلّ وعقد ولا غيرهم. وقد جرى الأمر على هذا النحو من إعادة أمور الأمّة إليها في عهد الخلافة الراشدة كما تشهد به أخبار كثيرة.
وقد شاع في الفقه السياسي تبرير لولاية العهد على الكيفية التي وصفناها بما صدر من أبي بكر في تولية عمر رضي الله عنهما، وما صدر من عمر في تولية أحد الستّة، واعتبر ذلك إجماعا يشرع لهذه الولاية، إذ قد رضيه جميع الصحابة، ولم يعارض فيه أحد منهم، وهو ما قرّره الماوردي وتابعه عليه الأكثرون [1] ، وذلك في قوله:"وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته، لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما: أحدهما، أن أبا بكر رضي الله عنه عهد بها إلى عمر رضي الله عنه، فأثبت المسلمون إمامته بعهده. والثاني، أنّ عمر رضي الله عنه عهد بها إلى أهل الشورى، فقبلت الجماعة دخولهم فيها" [2] .
وإذا كان بعض فقهاء السياسة الشرعية قد جعلوا نفاذ ولاية العهد مشروطا بالإشهاد عليها خيفة التنازع عند ادّعائها من أكثر من واحد [3] ، وإذا كان بعض آخر تقدّم في هذا الأمر خطوة أخرى فجعله مشروطا بموافقة أهل الحلّ والعقدكما ذكرنا ذلك سالفا، فإنه على حدّ علمنا لم يرد في كتب السياسة الشرعية ما يكيّف ولاية العهد، ولا ما يكيّف عقد الإمامة من قِبل أهل الحلّ والعقد ابتداء أو تزكية لولاية العهد على أنّهما من باب الاقتراح الذي يقترحه على الأمّة العاهد بالولاية أو أهل الحلّ والعقد، وتزكية يزكّون بها المقترح للإمامة، ليكون الأمر النهائي في الاختيار للأمّة، على نحو ما يُعرف اليوم بالترشيح الذي يعقبه الانتخاب، وإنما عُرض الأمر على أنّه شأن يستقلّ بالحقّ فيه العاهد بالولاية أو أهل الحلّ والعقد دون عموم الأمّة، وهو أمر لا نجد له أصلا في نصوص الدين ولا في تصرّفات الخلفاء الراشدين.
ويمكن أن نستثني مما قرّرناه إشارة أوردها الفراء قد توحي بمعنى الترشيح في تكييف ولاية العهد، وهو المضمّنة في قوله:"ويجوز أن يعهد [الإمام] إلى من ينتسب إليه بأبوة"
(1) راجع في الذاهبين هذا المذهب: محمد أمزيان ـ في الفقه السياسي: 145 وما بعدها
(2) الماوردي ـ الأحكام السلطانية: 21
(3) راجع: الإيجي ـ المواقف: 2/ 467