أو بنوة، إذا كان المعهود له على صفات الأيمّة، لأن الإمامة لا تنعقد للمعهود إليه بنفس العهد وإنما تنعقد بعهد المسلمين" [1] ، فهذا الكلام يفهم منه أنّ ولاية العهد غير ملزمة للمسلمين بذاتها وإنما هي مجرد ترشيح من المُولّي يطرحه على المسلمين نصيحة لهم بما استُحفظ عليه من أمانة الإمامة، فلا يتمّ لها تنفيذ إذن إلا برضاهم."
وفي اتّجاه هذه الإشارة الواردة عند الفرّاء قام جملة من فقهاء السياسة المعاصرين بمراجعة هذه المسألة تكييفا لعقد الإمامة من قِبل أهل الحلّ والعقد أو بطريق ولاية العهد على أنّه ترشيح، وهو ما أصّله محمد سليم العوا في قوله:"كانت البيعة الأولى في سقيفة بني ساعدة بمثابة ترشيح أولي الرأي من المسلمين لأبي بكر لتولي أمور الدولة الإسلامية، وكانت البيعة العامّة في اليوم الثاني بمثابة الاستفتاء على هذا الترشيح الذي أبدى فيه المسلمون آراءهم في اختيار رئيس الدولة" [2] .
وإذا كان هذا الترشيح ترشيحا معتبرا بالنظر إلى مقام القائمين به إلا أنه غير ملزم للمسلمين، بل هو مطروح عليهم إن شاؤوا قبلوه وإن شاؤوا رفضوه، وهو ما شرحه عبد الوهاب خلاف على سبيل التأصيل في حقيقة تولية أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في قوله:"لو أنّ المسلمين رأوا بعد وفاة أبي بكر خيرا من عمر وبايعوه ما عارضهم معارض، ولا كان عهد أبي بكر حجّة عليهم، وكذلك لو بايع المسلمون واحدا غير الستة الذين جعل عمر الشورى فيهم، فالعهد او الاستخلاف لا يعدو أن يكون ترشيحا من السلف للخلف، والأمة بعد ذلك صاحبة القول الفصل فيمن تختاره إماما" [3] . وهذا التأويل يرجع للأمّة حقّها في الاختيار، وهو أنموذج للمراجعة التي ينبغي أن تكون.
وما أصبح شائعا في الفقه السياسي من التشريع لتولي الإمامة بالغلبة بالشوكة العسكرية لئن كان اجتهادا قد تبرره أحداث معيّنة في ظروف معيّنة تُدفع فيها بهذه الغلبة الفتنة التي يفوق ضررها ضرر التولّي بالغلبة، إلاّ أنّه من غير المبرّر أن تصبح الشوكة العسكرية طريقا شرعية لتولي الإمامة بصفة مبدئية كما رأينا سالفا أنّه أصبح حكما شائعا
(1) الفراء ـ الأحكام السلطانية: 25
(2) محمد سليم العوا ـ في النظام السياسي للدولة الإسلامية: 71
(3) عبد الوهاب خلاف ـ السياسة الشرعية: 58،