الصفحة 28 من 30

في الفقه السياسي، إذ هو يعصف بالحقّ الثابت للأمّة في اختيار الإمام، وهو الحقّ الثابت في الدين كما شرحناه سابقا.

ومن الناحية العملية فإنّ الاستنقاص من قيمة هذا الحقّ الذي تُستحقّ به الإمامة متمثّلا في رضى الأمّة بالإمام وموافقتها عليه، في مقابل الإعلاء من قيمة القوّة المتمثّلة في الشوكة العسكرية من شأنه أن يجعل الميزان مائلا إلى جانب القوّة على حساب الحقّ فتكون هي العاقد للشّرعية دونه، وهذا الأمر حينما يصبح أمرا مشروعا فإنّه يفتح بابا يعسر سدّه في قضيّة الإمامة، إذ يصبح من المشروع السّعي في القوّة العسكرية من أجل السطو بها على الإمامة اكتسابا لها أو استمرارا فيها على حساب الاستحقاق الشرعي باختيار الأمّة، وفي الإمامة من الإغراء ما يزيّن ذلك السّعي ويذهب فيه إلى حدّ بعيد كما هو ثابت في طبائع الناس وفي تجارب التاريخ.

ومهما يكن من أنّ الشوكة العسكرية في هذا الصّدد جُعلت عاملا مرجّحا للمصلحة إذا ما دُفعت بها الفتنة، فإن ذلك إذا كان صالحا لعلاج أحداث جزئيّة تحصل في الواقع بين الحين والآخر، فإنه حينما يصبح مبدأ عامّا يشرّع لقوّة الشوكة أن تحسم في استحقاق الإمامة على حساب عناصر الحقّ يكون مفضيا إلى مفاسد تربو على المصالح المنتظرة منه؛ إذ ذلك حينما يصبح مكتسبا للشّرعيّة فإنّه يفتح الباب واسعا للاستيلاء على الإمامة بمقتضى الشوكة لا بمقتضى الحقّ المشروع، وهو باب للفساد كبير فُتح في تاريخ المسلمين بمقتضى هذا الاجتهاد، وولج منه كثيرون، وأدّى إلى شرور عظيمة من الفتنة التي أُريد تفادي شرورها.

وما نحسب الإمام عليّ بن أبى طالب رضي الله عنه حينما وقف وقفته المشهودة ليكون الحقّ هو الأساس في شرعية الإمامة دون الشوكة العسكرية إلاّ منطلقا من بصيرة نافذة في الفقه الشرعي تمتدّ إلى آماد بعيدة في مستقبل الأمّة لتسدّ الطّريق في وجه الاستبداد بأن تكون الشوكة مشرّعة للإمامة على حساب الحقّ، إذ في ذلك تحشيد لأفراد الأمّة أن يقفوا مع الحقّ ويدافعوا عنه، وتأييس لأهل المطامع أن يسعوا إلى الإمامة بالشوكة، وإذا ما وقع ضرر كبير بسبب نصرة الحقّ في وقائع معيّنة كما وقع في عهد عليّ رضي الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت