الصفحة 21 من 30

أحدهم للإمامة، وليس على من عدا هذين الفريفين من الأمّة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم" [1] ، وذلك أيضا ما انتهى إليه إمام الحرمين إذ يقول:"ما نعلمه قطعا أنّ النسوة لا مدخل لهنّ في تخيّر الإمام وعقد الإمامة ... ونحن بابتداء الأذهان نعلم أنّه ما كان لهنّ في هذا المجال مجال في منقرض العصور ومرّ الدهور ... ولا تعلّق له بالعوامّ الذين لا يُعدّون من العلماء وذوي الأحلام، ولا مدخل لأهل الذمّة في نصب الأيمّة" [2] . وهكذا فإنّنا نكاد ننتهي في تقدير مؤسّسة أهل الحلّ والعقد وما أُنيط بها من دور في الفقه السياسي إلى تقرير أنّها ليست إلاّ مؤسّسة استحدثها هذا الفقه ليسحب من الأمّة سلطانها في اختيار رؤاها واختيار من تعهد له بتنفيذها."

تقرّر في الفقه السياسي منذ وقت مبكّر شرعية أن تنعقد الإمامة بعهد من الإمام يعهد فيه بالإمامة لرجل يخلفه من بعده، وجُعلت هذه الآلية هي الطريقة الشرعية الثانية التي تنعقد بها الإمامة بعد طريقة الاختيار من أهل الحلّ والعقد، بل أصبحت هذه الطريقة في زمن متأخّر هي الطريقة الأولى في التولية على معنى أنّها الأكثر شرعية حتى من اختيار أهل الحلّ والعقد كما يوحي به قول الإيجي مقرّرا ما تثبت به الإمامة:"إنها تثبت بالنصّ من الرسول ومن الإمام السابق بالإجماع، وتثبت ببيعة أهل الحلّ والعقد" [3] ، فقد استدلّ على شرعية ولاية العهد بالإجماع مقدّما ذلك على بيعة أهل الحلّ والعقد. وهذا القول من الإيجي هو تلخيص لما تواتر عند أسلافه من فقهاء السياسة منذ الماوردي الذي يقول:"أما انعقاد الإمامة [لرجل] بعهد من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتّفاق على صحته" [4] . وهكذا أصبح هذا الأمر مستقرّا في الفقه السياسي منذ نشأته، ولا يزال يتبنّاه اليوم بعض الفقهاء [5] .

(1) الماوردي ـ الأحكام السلطانية: 14

(2) إمام الحرمين ـ الغياثي: 62

(3) الإيجي ـ الموافقات: 2/ 466

(4) الماوردي ـ الأحكام السلطانية: 21

(5) راجع مثلا: محمود شاكر: الخلافة والإمارة:91

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت