الصفحة 22 من 30

وقد ذهب بعض الفقهاء في ولاية العهد مذهبا يخفّف من غلوائها في الاستبداد بعقد الإمامة، وذلك بأن اشترطوا في شرعيتها لأن تكون طريقا لهذا العقد أن لا يكون لها نفاذ في التولية إلا بتزكيتها من أهل الحلّ والعقد، بل إنّ بعض الفقهاء ذهب في تأويل ولاية العهد على أنها لا تعدو أن تكون اقتراحا لا تنعقد به إمامة، وإنما تنعقد الإمامة بناء على هذا الاقتراح برضى المسلمين به، وهو ما قرّره الفرّاء في قوله:"ويجوز أن يعهد [الإمام] إلى من ينتسب إليه بأبوة أو بنوة، إذا كان المعهود له على صفات الأيمّة؛ لأن الإمامة لا تنعقد للمعهود إليه بنفس العهد، وإنما تنعقد بعهد المسلمين" [1] ، ولكنّ هذا المذهب ظلّ خافتا في مدوّنات الفقه السياسي، والصوت الأعلى فيها إنما كان للرأي القائل بأنّ ولاية العهد مكتملة الشرعية بذاتها في عقد الإمامة، غير محتاجة لتزكية من أحد، وهذا ما عبّر عنه الماوردي في قوله مناقشا شرط رضى أهل الاختيار في نفاذ ولاية العهد:"ذهب بعض علماء أهل البصرة إلى أنّ رضى أهل الاختيار لبيعته [أي بيعة العاهد للمعهود إليه] شرط في لزومها للأمّة، لأنها حق يتعلق بهم فلم تلزمهم إلا برضى أهل الاختيار منهم، والصحيح أن بيعته منعقدة، وأن الرضى بها غير معتبر" [2] .

وقد أصبح هذا الحكم هو الأشهر في فقه السياسة الشرعية من حيث أصل التقرير الفقهي، وإذا كان قد انتشر فيه رأي ينتقد الحكم بشرعية ولاية العهد، فإنه يتبيّن عند التمحيص أنّه رأي لا يتّجه بالنقد إلى أصل الحكم، وإنما يتعلّق بأحداث جرى بها الواقع، وحصل فيها عقد ولايات للعهد جرت على إخلال بشروط الإمامة في العاهد بها أو في المعهود إليه، وهو ما يظهر جليا في تقرير إمام الحرمين حينما حكم بشرعية ولاية العهد في الأصل ثم قال:"ولم أر التمسّك بما جرى في العهود من الخلفاء إلى بنيهم؛ لأن الخلافة بعد منقرض الأربعةالراشدين شابتها شوائب الاستيلاء والاستعلاء، وأضحى الحق في الإمامة مرفوضا، وصارت الإمامة ملكا عضوضا" [3] .

(1) أبو يعلى الفراء ـ الأحكام السلطانية: 25

(2) الماوردي ـ الأحكام السلطانية:21

(3) إمام الحرمين ـ غياث الأمم: 124، وراجع بحثا في ذلك في: محمد أمزيان ـ في الفقه السياسي: 152

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت