الهامّة التي يتعيّن فيما نقدّر البدء بمراجعتها لما تمثّله من أهمّية في البناء السياسي بصفة عامّة، وما تمثّله من أهمّية بالنسبة للواقع السياسي الذي عليه المسلمون اليوم بصفة خاصّة. وسنكتفي في هذه القضايا بالإشارة إلى أهمّ المفاصل فيها التي نراها جديرة بالمراجعة بحسب ما تقتضيه الأوضاع السياسية الراهنة.
في الموروث من الفقه السياسي تضخيم كبير لمؤسّسة رئاسة الدولة، سواء من حيث المواصفات التي يُشترط توفّرها في الرئيس، أو من حيث الصلاحيات التي تفوّض إليه، ويكاد يكون تاريخ الدولة الإسلامية قد بني في الواقع على ذلك. وإذا كان الشرع قد أحاط منصب الإمامة أو الخلافة بقسط مقدّر من المهابة بما كلّفه به من مهمّة حراسة الدين، وما فرض في حقّه من الطاعة، فإنّ الفقه السياسي كما يبدو لنا قد ضخّم من ذلك المنصب بما تجاوز به مقصد استتباب وحدة الأمّة على أساس العدل المنتج للعمران إلى ما يغري الرئيس بأن يمارس الاستبداد.
ففي الفقه السياسي تشترط في الترشّح لمنصب الرئاسة شروط كثيرة تنحو في مجملها المنحى الإيماني والأخلاقي والعلمي كما هو معلوم، وهو ما لخصه عضد الدين الإيجي مجاريا فيه من جاء قبله بقوله:"الجمهور على أنّ أهل الإمامة مجتهد في الأصول والفروع ليقوم بأمور الدين، ذو رأي ليقوم بأمور الملك، شجاع ليقوى على الذبّ عن الحوزة" [1] ، وقد ظلّت هذه الشروط تتردّد في مؤلّفات السياسة الشرعية منذ الماوردي إلى عصرنا الحاضر [2] .
ولقد كان لهذه الشروط التي ينبغي أن تتوفّر في رئيس الدولة أثر بالغ في حجم الصلاحيات التي أوكلت إليه، وفي الطريقة التي يمارس بها الحكم، إذ بناء عليها فيما تتضمّنه من نقاء أخلاقي وقدرات ذاتية وعلمية تنزع منزع المثال الذي قد لا يكون متحقّقا في الواقع قد أوكل إليه التصرّف في شؤون الأمّة باجتهاده تصرّفا يشبه أن يكون مطلقا في نطاق ما هو مسموح به في الشرع، وليس في هذا الفقه من أحكام الشورى
(1) عضد الدين الإيجي (توفي سنة 756) ـ المواقف: 2/ 467 (ط بولاق، مصر 1913)
(2) 139 (ط المكتب الإسلامي، بيروت 1992) راجع: محمود شاكر ـ الخلافة والإمارة: