المقيّدة لتصرّف الرئاسة قدر ذو بال، وإن وُجد شيء من ذلك فإنّ الشورى المعلمة لا الملزمة كانت هي الصوت الأعلى فيه [1] ، وهو ما جرى الأمر عليه في واقع الحكم في الدولة الإسلامية طيلة تاريخها إلاّ في الأقلّ.
ويبدو أنّ الفقه السياسي الإسلامي كان ينحو في هذا الشأن المنحى المثالي المجرّد من جهة، ومنحى اتّقاء الفتنة والسطوة من جهة أخرى، إذ كأنّ الشروط الإيمانية والأخلاقية المشروطة في الإمام اتُّخذت مبرّرا لتوسيع سلطته، واعتبرت ضمانا للالتزام بالعدل والابتعاد عن الاستبداد، فأُوكل الإمام إذن في تصرّفاته إلى تقواه وعلمه وقوّته، وانحسرت بذلك الأحكام الشرعية المقيّدة لتلك التصرّفات من خارج ذات الإمام مثل أحكام الشورى وما في حكمها.
وفي هذا الصدد يمكن في سبيل المراجعة العودة إلى نصوص الشرع وإلى واقع ما جرى به التاريخ، فقد جاءت الآيات القرآنية المقيّدة لتصرّفات الإمام بالشورى صريحة بيّنة كما في قوله تعالى:"وشاورهم في الأمر"آل عمران / 159) وفي قوله تعالى:"وأمرهم شورى بينهم" (الشورى / 38) ، وجاءت السيرة النبوية مطبّقة لذلك على وجه قطعي، إذ لم يكن صلّى الله عليه وسلّم يقطع برأي في الشأن السياسي إلاّ عن مشورة من أصحابه، وكثيرا ما كان يتصرّف بمقتضى رأيهم المخالف لرأيه، والتزم ذلك النهج الخلفاء الراشدون في عموم تصرّفاتهم، ثمّ بيّن التاريخ أنّ الإمام حينما يُوكل إلى شروط التقوى والعلم حتى وإن كانت متحقّقة فيه بالفعل دون الرقابة الخارجية من الأمّة فإنّ شهوة السلطان سريعا ما تسقط بالكثير من الرؤساء في مهاوي الاستبداد.
إنّ هذا التأصيل من جهة، وهذه العبرة التاريخية من جهة أخرى يدفعان إلى ضرورة أن يتّجه الفقه السياسي في شأن الرئاسة وجهة التأسيس للأحكام الشرعية التي تضمن أن يتصرّف رئيس الدولة في شؤون الأمّة تصرّفا شوريا، وذلك ابتداء من إضافة شرط من شروط اختياره متمثّلا في أن يكونالمرشّح للرئاسة مؤمنا بالشورى معروفا بممارسته الفعلية لها، ومرورا باستحداث المؤسّسات الأهلية التي يكون لها دور الشورى الملزمة له، والرقابة
(1) راجع في ذلك: محمد سليم العوا ـ في النظام السياسي للدولة الإسلامية: 187 وما بعدها