الصفحة 18 من 30

أحدثه من تشكيل ثقافي سياسي للعقول أدّى إلى هذا الوضع الذي عليه المسلمون في واقعهم السياسي، ولا إخال هذا الوضع يتغيّر إلا بمراجعة للفقه السياسي تؤدّي إلى تغيّر في الثقافة السياسية ليعود تصوّر مؤسّسة رئاسة الدولة إلى ما تقتضيه المبادئ الإسلامية من كون الرئيس نائبا عن الأمّة تختاره بمحض إرادتها ليقوم بتطبيق مرئياتها في شؤون الحياة، وتراقبه في أداء هذه الأمانة، وتحاسبه عليها، وتعزله عنها إذا أخلّ بشروط النيابة [1] .

مما يؤسف منه أشدّ الأسف أنّ الأمّة في الفقه السياسي الإسلامي لا تحظى بمقام مرموق من حيث ما يكون لها من حرّية في الاختيار، ومن سلطان في تنفيذ ما ترتئيه من الخيارات إن تيسّر لها الاختيار، بل إنّ شطرا كبيرا من الأمّة إن لم يكن الأكبر من حيث العدد يُعامل في هذا الفقه بالاستبعاد من مواقع الاختيار والقرار، بل يعامل أحيانا بشيء من الاستنقاص، ويُنعت بنعوت تحمل شيئا من الدونية التي تبررالحيللولة دون حقّ الاختيار، وذلك من مثل مصطلحات العامّة والغوغاء والدهماء وأمثالها [2] . وإذا كانت بعض الآراء في هذا الفقه تكيّف الإمامة بما يظهرها على أنّها نيابة من تلقاء الأمّة للإمام كي ينفّذ إرادتها السياسية، إلاّ أنّ ذلك التكييف سرعان ما تتلاشى مقتضياته بما تمُنع منه الأمّة من حقوق الاختيار والتنفيذ لصالح الإمام.

وعلى سبيل المثال فإنّه إذا كان أوسع ما يشمل الأمّة من حقوق الاختيار أن تختار الرئيس الذي يُولّى عليها فإنّ الرأي الشائع في الفقه السياسي أنّ هذا الحقّ ليس بحقّ لأكثر أفرادها، بل هو حقّ محجوب عن عامّة الناس، ومخوّل للعدد القليل من الأفراد قد ينتهي أحيانا إلى الفرد الواحد كما أشار إليه إمام الحرمين في قوله:"فإذا لم يُشترط الإجماع في عقد"

(1) لقد قام في بعض البلاد الإسلامية نظام للحكم يتّصف بأنه إسلامي تتبنّاه حركات إسلامية، ولكن الرئاسة في هذا النظام تكاد لا تختلف عن الرئاسة العلمانية المستبدّة، وما ذلك إلا دليل على أنّ الفقه السياسي الإسلامي يشكو فقرا كبيرا وضعفا مخلاّ، وهو ما يدعو إلاّ قيام حركة علمية واسعة وعميقة تتناول الفقه السياسي بالمراجعة والتجديد لينعدل أمر الواقع. راجع في في هذه المعاني: يوسف القرضاوي ـ من فقه الدولة في الإسلام: 80 وما بعدها

(2) ما زالت مثل هذه العبارات تتردّد في مؤلفات بعض المعاصرين مما يدل على رسوخ ما تحمله من فكرة. وراجع على سبيل المثال: محمود شاكر ـ الخلافة ووالإمارة: 62

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت