ساعات في اليوم والليلة يمكن فإنه يمكن أن يبقى مع ذلك إماما، ولا يعزل ليُستعاض عنه بغيره، وذلك رأي في منتهى الفساد فيما نقدّر.
ومن مظاهر التشدّد في عزل الإمام أنّ العزل لا يتمّ إذا ما جُرحت عدالته، أو انحرفت عقيدته بتأويل، وهو ما رواه الفراء ويبدو أنّه يوافق عليه، إذ يقول:"فإن كان جرحا في عدالته وهو الفسق، فإنه لا يمنع من استدامة الإمامة، سواء كان متعلقا بأفعال الجوارح، وهو ارتكاب المحظورات، وإقدامه على المنكرات، اتباعا لشهوته، أو كان متعلقا بالاعتقاد، وهو المتأول لشبهة تعرض يذهب فيها إلى خلاف الحقّ" [1] . ولا يفوت في هذا المقام التذكير برأي القرطبي الآنف الذكر، الذي يجعل إخلال الإمام بالشورى مبررا لعزله، فهو رأي متقدّم جدا بالنسبة لما ساد في هذا الشأن في الفقه الشرعي.
ويبدو أنّ التشدّد في عزل الإمام على النحو الذي وصفنا من أهمّ أسبابه التحسّب لما قد يحدث عن العزل من الفتنة التي تضرّ بمصلحة المسلمين عموما؛ ولهذا فقد صيغ للعزل مقياس دقيق يطبق عليه، وهو أن العزل يتمّ ميزان المصلحة والمفسدة، فإذا ما كان يستجمع أسبابه، وكانت الفتنة الحاصلة منه أشدّ ضررا من ضرر إخلال الإمام بالأمانة فإنه لا يجوز، وإذا كان العزل يسبّب فتنة ضررها أقلّ مما يسببه البقاء على الإمامة، فإن العزل يكون جائزا. ولكنّ هذا المقياس على مشروعيته فإنّه آل أمره إلى شيء من التناسي، ويكاد يكون قد استقرّ الحال في الفقه السياسي على التشدّد في العزل إلى ما يقارب المنع.
وقد كان لهذا التضخّم في رئاسة الدولة من جميع أطرافها أثر في الثقافة السياسية للمسلمين، بل امتدّ هذا الأثر من رئاسة الدولة إلى كلّ رئاسة في المؤسسات الاجتماعية، وهو الأثر المتمثّل في الاستبداد بالرأي، وفي التشبّث بموقع الرئاسة، ويكاد يستوي في ذلك حملة الفكرة الإسلامية مع العلمانيين الذين لم تستطع العلمانية أن تحمل إليهم مع قيمها القيم السياسية التي أقرّها الفقه السياسي الغربي فيما يتعلّق برئاسة الدولة من حيث النيابة عن الشعب والتداول على السلطة والرقابة والمحاسبة، وهي القيم التي يلتقي فيها الفقه السياسي الوضعي مع المبادئ السياسية الإسلامية، ولكنّ الفقه السياسي الموروث فيما
(1) الفراء ـ الأحكام السلطانية: 20 (ط دار الكتب العلمية: بيروت 2000)