بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ التراث الفقهي الإسلامي ضلّ على الدوام حاضرا في حياة المسلمين، مؤثّرا في توجيهها تأثيرا بالغا، ومهما يحدث من اجتهاد في الفقه وتجديد في الدين، فإنّ التراث تبقى له مكانته المرموقة في صياغة تديّن المسلمين في مختلف العصور، ومن بينها العصر الحاضر، بل كثيرا ما يتمّ الاجتهاد والتجديد في نطاقه، نظرا فيه بالتخيّر والترجيح حسبما تتطلّبه مقتضيات الظروف، أو تطويرا لبعض الاجتهادات فيه وفق ما تكشف عنه مستجدّات العلوم الكونية والإنسانية؛ ولذلك فإنّ المراجع الفقهية لكبار الأئمّة تكون دوما هي المنطلق الأساسي لكلّ نظر اجتهادي فقهي، فيكون التراث الفقهي إذن عاملا مؤثّر إن لم يكن الأكبر تأثيرا في توجيه حركة التديّن، وهو واقع الحال في الواقع الراهن للمسلمين.
وبالرغم من أنّ الفقه السياسي من بين التراث الفقهي هو الحلقة الأضعف فيه من حيث التوسّع والشرح والتفصيل لأسباب سنشرحها لاحقا، إلا أنّه هو أيضا ضلّ يؤثّر في العقلية السياسية الإسلامية عبر الأجيال إلى يومنا هذا، وربما كان بعض من هذا التأثير حاصلا بصفة تلقائية غير مقصودة، وذلك بطريق الترسّب الثقافي العامّ، وهكذا نجد على سبيل المثال كيف أنّ مؤسّسة الرئاسة تستولي على سلطات واسعة تعلو بها عن المحاسبة، سواء كانت متمثّلة في رئاسة الدولة أو في رئاسة المنظّمات والمؤسّسات، فذلك إنما نحسب أنه من تأثير ما منحه الفقه السياسي الإسلامي لهذه المؤسّسة من نفوذ واسع، وما جرى عليه الواقع بذلك عبر حقب متطاولة من الزمن.
لقد بقي الفقه السياسي الإسلامي أقلّ أبواب الفقه تطوّرا وتجديدا، فهو يكاد يكون قد حافظ على ما أنتجه فقهاء السياسة الشرعية في القرن الرابع للهجرة، إذ قد ظلّت المؤلّفات بعد ذلك تراوح ما ألّفه أولئك الفقهاء مع إضافات قليلة، والباحثون المحدثون في هذا الشأن لئن طوّروا أسلوب العرض وبعض المصطلحات في السياسة الشرعية، وراجعوا بعض الأحكام بنظر اجتهادي، فإنهم لم يتناولوا جوهر القضايا السياسية باجتهاد يبني هذا