الصفحة 3 من 30

العلم بناء جديدا سوى محاولات قليلة في هذا الشأن، وإذن فإنّ تأثير التراث الفقهي السياسي في المسلمين اليوم كان تأثيرا بمفاهيم واجتهادات أُنتجت قبل ألف عام بما تحمله من خضوع سلبي للواقع السياسي الذي أُنتجت فيه، بل بما تحمله في بعض القضايا من مجافاة للأصول الدينية من قرآن وسنّة، فإذا هي تؤدّي في حالات كثيرة إلى مسالك سياسية بيّنة الخطل، سيّئة النتائج، بالرغم من أنّها مسالك يسلكها متديّنون يحملون راية التجديد في الدين، وذلك سواء كانوا حركات إسلامية أو كانوا حكومات تحكم باسم الدين.

والمسلمون في أوروبا بحكم تنامي حجمهم العددي وأيلولة أوضاعهم إلى حال المواطنة فإنهم أصبحوا ينزعون إلى المشاركة السياسية مثل سائر المواطنين، وبما أنّهم يحملون في وضعهم هذا شطرا مهمّا من المفاهيم والمبادئ المترسّبة من إرثهم الثقافي القائم على أساس فقهي فإنهم مرشّحون مثل سائر المسلمين لأن تكون تصوّراتهم السياسية موصولة هي أيضا بالموروث من فقه السياسة الشرعية بما يتخلّله من ضعف، وما بني عليه من أحكام تجاوزها الزمن فانتهت صلاحيتها، وحينئذ فإنّ هذه المشاركة السياسية في مجتمع قطع في الفقه السياسي الوضعي مراحل متقدّمة جدا في الكثير من القضايا الكبرى سوف تكون مشاركة تحمل في ذاتها بذور فشلها، فضلا عن أن تكون مشاركة حضارية تحمل أنموذجا يضيف جديدا نافعا وفق ما أصبح الوجود الإسلامي يطرحه من شعار له في المرحلة المقبلة.

ولهذا السبب فإنّ البحث في المشاركة السياسية للأقليات المسلمة في المجتمع الأوروبي ينبغي فيما نحسب أن يتأسّس على مراجعة للكثير من القضايا في الفقه السياسي الإسلامي مراجعة يقع فيها نخل تلك القضايا لتستبين فيها الحقيقة التي أسّستها نصوص الدين، وتتحرّر من الملابسات التي أحاطت بها تحت ضغوط الواقع زمن نشأة الفقه السياسي، ثم لتستفيد من الكسب الإنساني في هذا المجال حيث شهد علم السياسة تطوّرا كبيرا خلال القرن الماضي. وهذا ما نحاول التطرّق إليه في هذه الورقة، بدء بتقييم عامّ سريع للفقه السياسي الإسلامي، ومرورا بوضع أسس لمراجعة هذا الفقه، وانتهاء بنماذج لجملة من القضايا في هذا الفقه السياسي نقترح فيها طريقة للمراجعة. وسنعرض ذلك من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت