الصفحة 12 من 30

ويعني ذلك مراجعة الفقه السياسي مراجعة مقاصدية، تقوم في بناء الأحكام على مراعاة ما تتحقّق به مقاصد الشريعة، وذلك بأن تُحرّر هذه المقاصد من الأحكام المتعلّقة بالسياسة والحكم وفق المنهجية المتّبعة في استكشاف مقاصد الشريعة، فيكون لها حضور بيّن متميّز ضمن المقاصد الدينية العامّة، ثمّ تُجعل تلك المقاصد هي الموجّه لكلّ اجتهاد يروم استنباط الأحكام السياسية التفصيلية من المبادئ الكلّية العامّة، ضمانا في ذلك لأن تكون تلك الأحكام محقّقة لما وضعت لأجله من المقاصد.

ومن الجدير بالملاحظة أنّ الفقه السياسي الموروث لم تتأسّس بعض آرائه وأحكامه على مقاصد شرعية بيّنة في هذا الشأن، وإنّما خضعت لظروف طارئة وأحوال جزئيّة، وكان لمجريات الواقع تأثير فيها، فجانبت الصواب كما سنشير إلى بعضه لاحقا، ولمّا كان من أهمّ أسباب ذلك كما نقدّر غياب المقاصد الشرعية في الشأن السياسي أن تكون هي الموجّه الأساسي لتلك الأحكام، فإنه يكون من المتحتّم مراجعة الفقه السياسي بصفة عامّة مراجعة مقاصدية.

لقد شهد الفقه السياسي الوضعي تطوّرا كبيرا في مبادئه النظرية الفلسفية وفي إجراءاته العملية على حدّ سواء، وأصبحت الحياة السياسية تدار بحسب ذلك الفقه في الواقع، فأثرت النظريات السياسية بالتجربة، وأثرت التجربة بتلك النظريات، وقد تحقّقت من ذلك أقدار كبيرة من النجاح في إدارة الشأن السياسي، كما يبدو ذلك على سبيل المثال في الطرق التي يتمّ بها تداول السلطة، والتي تتمّ بها المراقبة والمحاسبة لمن تكون بيده تلك السلطة.

وإذ كان كثير من الأحكام القانونية الواردة في هذا الفقه السياسي الوضعي متعلّقا بالآليات التي تُدار بها الحياة السياسية، وهي آليات تخلو في كثير منها من الحمولة الإيديولوجية، وإذ كانت بعض المبادئ النظرية في هذا الفقه لا تتناقض مع المبادئ الإسلامية، فإنّ كثيرا من القوانين في الفقه السياسي الوضعي يمكن أن يُدرج بصفة مباشرة أو بشيء من المعالجة الاجتهادية ضمن الفقه السياسي الإسلامي، إذ هو يشبه أن يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت