الصفحة 16 من 30

الدقيقة عليه، وانتهاء إلى أن يكون إخلاله بالشورى سببا كافيا لعزله عن منصب الرئاسة، وهو الأمر الذي لم يرد له ذكر في أحكام الفقه السياسي، سواء فيما يتعلّق بشروط التولية أو بأسباب العزل [1] ، والحال أنّ الاستبداد بالرأي هو السبب الأكبر لجلّ المفاسد التي تنشأ في ممارسة الحكم.

وكما كان لمنصب رئيس الدولة في الفقه السياسي من صلاحيات واسعة تميل إلى أن يكون مستبدّا بها دون مشورة الأمّة، فإنّ مبدأ الرقابة عليه في تصرّفاته ومحاسبته على أداء مهمّته لم يكن لها حظّ يذكر في هذا الفقه، وإذا ما كان لها ذكر فإنها تكاد تقتصر على المناصحة الوعظية التي تخلو من معنى الإلزام، فضلا عن أن تُختطّ لتلك المراقبة خطّة منظمة من هيئة معلومة أو مجلس محدّد، وإنما تُركت هذه المناصحة مرسلة في الأمّة، وإن تكن متّجهة إلى العلماء بالدرجة الأولى. ولمّا كان وضع الرقابة على هذا النحو من الضعف في الفقه السياسي، فإنّها لم يكن لها في الواقع تحقّق فعلي سوى بعض المأثورات من النصائح والمواعظ لهذا الإمام أو ذاك من رؤساء الدول الإسلامية [2] .

وقد كان الأمر كذلك أيضا بالنسبة لعزل الإمام، فهو أمر جرى فيه الفقه السياسي مجرى التضييق البالغ، واشترطت فيه اشتراطات مشدّدة أوشكت أن تضفي على هذا المنصب صفة القداسة، حتى لقد ذهب الماوردي إلى أنّ الإمام إذا أصابه مرض يُفقده عقله بصفة ملازمة كالجنون والخبل فإنه لكي يصبح سببا كافيا لعزله عن الإمامة ينبغي أن يكون غيابَ عقل مستديما لا تتخلّله إفاقة، أما إذا كان غيابا تتخلله إفاقة"فإن كان زمان الخبل أكثر من زمان الإفاقة فهو كالمستديم يُمنع من عقد الإمامة واستدامتها، ويخرج بحدوثه منها، وإن كان زمان الإفاقة أكثر من زمان الخبل ... فقيل يُمنع من استدامتها .. وقيل لا يُمنع من استدامة الإمامة" [3] ، ومعنى هذا الكلام أنّ الإمام إذا كان يغيب عقله بجنون عشر

(1) لئن لم يرد في فقه السياسة الشرعية على ما نعلم أنّ للشورى مدخلا في التولية والعزل، فإن بعض العلماء جعلوا لها مدخلا في ذلك، ومن هؤلاء ابن عطية إذ يقول في تفسيره المحرر الوجيز: 3 ـ 397 (ط قطر 1977) :"والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب"

(2) راجع نماذج من ذلك في: محمد سليم العوا ـ في النظام السياسي للدولة الإسلامية (ط دار الشروق، القاهرة بيروت 1989)

(3) الماوردي ـ الأحكام السلطانية: 32 (ط المكتب الإسلامي، بيروت 1996)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت