حينما جعل الإمامة قد تنعقد للإمام بمبايعة رجل واحد إذا كان مطاعا في قومه قادرا على نصرة الإمام وحمايته، وفي ذلك يقول:"إن بايع رجل واحد مرموق كثير الأتباع والأشياع مطاع في قومه، وكانت منعته تفيد ما أشرنا إليه [من نصرة الإمام وحمايته] انعقدت الإمامة" [1] .
وقد ظلّ هذا الرأي سائدا في فقه السياسة الشرعية إلى هذا العهد، متسرّبا إلى العقول ضمن الثقافة السياسية المتشكّلة بفكرة استبعاد الأمّة وحلول أهل الحلّ والعقد محلّها، ولو كان عددهم قد ينتهي إلى الفرد الواحد. وقد كنت أقوم بتجربة شخصية في هذا الشأن تتمثّل في اختبار أجريه على طلبتي في جامعات عربية وإسلامية مختلفة ومتباعدة في المكان، وذلك بأن ألقي عليهم بصدد تدريس مادّة النظام السياسي في الإسلام سؤالا عمّن هو صاحب الحقّ في اختيار رئيس الدولة، وقد كان الجواب في الغالب الأعمّ يأتي بأنّ صاحب هذا الحقّ في ذلك هم أهل الحلّ والعقد وليس عموم الأمّة، وذلك ما يدلّ على عمق التأثير للفقه السياسي الموروث في الثقافة السياسية للمسلمين.
وأما تأويل أهل الحلّ والعقد بأنهم ممثلون لمجموع أفراد الأمّة، وكلاء لهم أو نوّاب عنهم، فهو تأويل من قِبل بعض الفقهاء السياسيين المحدثين يندرج ضمن المراجعة التي ندعو إليها [2] ، ولم نعثر له على أثر في التراث الفقهي. وحينما يتمحّض معنى أهل الحلّ والعقد للدلالة على عدد محدود من أفراد الأمّة قد ينتهي إلى الفرد الواحد، وحينما يخلو من أيّ معنى للنيابة الحقيقية عن مجموع الأمّة، فإنّ الأمر ينتهي إلى استبعاد الشطر الأعظم من الأمّة من مواقع الاختيار فيما هو شأن يهمّ جميع أفرادها مثل شأن اختيار رئيس الدولة وعقد البيعة له.
وقد كان الأمر كذلك بالفعل كما قرّره أغلب فقهاء السياسة الإسلامية، ومن ذلك ما ذهب إليه الماوردي في بيان أهل المسؤولية في عقد الإمامة حيث قال:"خرج من الناس فريقان: أحدهما: أهل الاختيار حتى يختاروا إماما للأمّة، والثاني أهل الإمامة حتى ينتصب"
(1) إمام الحرمين ـ الغياثي: 71 (ط قطر 1400)
(2) راجع مثلا: محمد سليم العوا ـ في النظام السياسي للدولة الإسلامية: 204 (ط دار الشروق: بيروت 1989)