مستصحبا إلى عصرنا هذا [1] . وإذا كانت قد ظهرت منذ بعض الزمن بحوث ودراسات فقهية شرعية تنحو منحى تجديديا يسعى إلى أن يتصدّى للجواب على الأسئلة المطروحة اليوم على المسلمين في الشأن السياسي [2] إلاّ أن ذلك لم تصبح بعد منحى عامّا لفقه السياسة الشرعية، حتى ليمكن أن يقال إنّ هذا الفقه بصفة عامّة ما زال يعاني من القصور في أداء مهمّته، وفي معالجة المشاكل الواقعية، وذلك جرّاء انشداده إلى الماضي أكثر من تفاعله مع الواقع واستشرافه للمستقبل.
إن الواقع الراهن للفقه السياسي عدا بعض الاستثناءات التي أشرنا إليها يردّد نفس المقولات التي نشأت منذ أكثر من ألف عام، سواء من حيث المحتوى أو من حيث التعابير والمصطلحات، فإذا الهوّة بينه وبين الواقع السياسي الذي يجري عليه حال الأمّة تزداد اتّساعا، وإذا التأثير الذي من المفروض أن يكون هذا الفقه في ذلك الواقع يكاد يكون معدوما، وهو ما نشأ عنه خلل كبير في الحياة السياسية للأمّة يفوق في حجمه وسلبيته ما يصيب الجوانب الأخرى في حياتها من الأخلال.
إنّ الحياة السياسية للمسلمين تجري في عمومها منذ قيام الدولة الحديثة على نمط من المبادئ السياسية للثقافة الغربية، فقد شهدت هذه الثقافة تطورا كبيرا في العلوم السياسية، سواء من حيث المبادئ والقيم، أو من حيث الآليات والإجراءات. وإذا كانت هذه العلوم السياسية تشتمل على أفكار كثيرة لا تتعارض مع الفلسفة السياسية الإسلامية وخاصة فيما يتعلّق منها بالآليات، فإن أفكارا أخرى تطرح في العلوم لا تتلاءم مع هذه الفلسفة، ومع ذلك فقد فرضت نفسها على ما تجري به السياسة في الواقع.
لقد ظلّ التأليف في الفقه السياسي الإسلامي ينحو منحى التقرير النظري الذي لا يتفاعل مع مجريات الحياة السياسية الفعلية، إذ انفصل علم السياسة الشرعية عن السياسة الواقعية في الثقافة الإسلامية منذ وقت مبكّر، ونأى فقهاء السياسة عمّا يجري به واقع
(1) راجع على سبيل المثال: محمود شاكر ـ موضوعات حول الخلافة والإمارة.
(2) نذكر من هذه البحوث على سبيل المثال: محمد ضياء الدين الريس ـ النظريات السياسية الإسلامية. يوسف القرضاوي ـ من فقه الدولة في الإسلام. محمد سليم العوا ـ في النظام السياسي للدولة الإسلامية. راشد الغنوشي ـ الحريات العامة في الدولة الإسلامية. حسن الترابي ـ السياسة والحكم .. محمد أمزيان ـ في الفقه السياسي.