أولا ـ قلّة المؤلّفات في الفقه السياسي، ومحدودية الآراء والاجتهادات فيه، إذ المؤلّفات في هذا الفقه تكاد لا تتجاوز على مدى تاريخ الثقافة الإسلامية بضع عشرات، في حين تعدّ المؤلّفات في الفروع الفقهية الأخرى بالآلاف، والاجتهادات الواردة في هذه المؤلّفات يكاد يكون المتقدّم منها مستصحبا في المتأخّر على وجه التكرار، فخلت إذن من الثراء في الآراء، والتعدّد والتنوّع فيها، ولا جرم فإنّ ثراء الاجتهادات إنما يلده التفاعل مع الواقع، وتفاعل الفقه السياسي مع الواقع كان محدودا جدا كما أشرنا إليه آنفا.
وهذا الفقر في المؤلفات والمحدودية في الاجتهادات تجعل الناظر اليوم في التراث الفقهي السياسي لا يجد نفسه أمام خيارات متعدّدة من الاجتهادات فيتخيّر منها ما هو مناسب للوضع السياسي الراهن ليعالج به ما يتطلّبه ذلك الوضع من أحكام تتحقّق بها مقاصد الشريعة في الشأن السياسي، وذلك مثل ما عليه الحال في الفقه الاقتصادي أو فقه الأحوال الشخصية فيما يزخر به كلّ منهما من اجتهادات كثيرة يفزع إليها الفقيه في معالجة الأوضاع المستجدّة، فيجد طلبته في هذا الاجتهاد أو ذاك، حتى وإن كان على عهده مرجوحا أو مغمورا ما دام يقوم على سند معتبر من الدلائل؛ ولذلك فإنّ الفروع الفقهية الأخرى إذا كانت تستدعي هي أيضا النظر التجديدي مع ثرائها، فإنّ فقه السياسة الشرعية يستدعي نظرا تجديديا أوكد، واجتهادا في الأحكام أوسع من أجل معالجة القضايا السياسية الراهنة.
ثانيا ـ إنّ الخطاب الديني في الشأن السياسي جاء خطابا يتّصف بالكلّية والعمومية، ويكاد يخلو من التفصيل والجزئية، فالأحكام الشرعية المنصوص عليها في هذا الشأن تكاد لا تتجاوز بضعة مبادئ كلّية عامّة، مثل مبدإ الشورى، وقيام الدولة على الدين، وسيادة الشريعة في الحكم، وإسناد السلطة للأمّة [1] ، وما عدا ذلك من الأحكام المتعلّقة بتفاصيل الحياة السياسية وإجراءاتها العملية تُرك الأمر فيه للاجتهاد حسبما يقتضيه تغيّر الأحوال وتبدّل الأوضاع عبر الزمن.
(1) راجع هذه المبادئ في: إبراهيم زيد الكيلاني ـ نظام الحكم في الإسلام: 255 وما بعدها (ضمن كتاب: في الفكر الإسلامي. ط جامعة الإمارات العربية المتحدة، 1990)