الصفحة 9 من 30

وهذا الوضع اقتضى أن يكون التراث الفقهي السياسي مبنيا في معظمه على الاجتهاد فيما هو عفو غير منصوص عليه من الأحوال المتعلقة بشؤون الحكم، وذلك وفق ما تراءى للمجتهدين من فقهاء السياسة أنّه يحقّق مصلحة الأمّة في الظروف التي كانت على عهدهم، أما وقد تغيّرت تلك الظروف تغيّرا كبيرا، فإنّ الأمر يدعو إلى نظر اجتهادي جديد يتأطّر بإطار تلك المبادئ الكلّية المنصوص عليها، ويستنبط أحكاما تعالج الواقع السياسي المتجدّد، وذلك في مراجعة لتلك الأحكام التراثية قد تكون مراجعة جذرية في البعض منها إذا ما دعت إليها المصلحة التي هي غاية الأحكام الشرعية كلّها.

ثالثا ـ لقد كان الواقع السياسي على تلك العهود التي ألّفت فيها المصادر المؤسّسة للفقه السياسي شديد السطوة على أولئك المؤلفين، وذلك بما زخر به من الفتن السياسية البالغة التأثير في الأمّة، ابتداء من الفتنة الكبرى وما تلاها بعد ذلك من الفتن التي يكاد لم يخل منها عهد من العهود في الحكم الإسلامي، وقد كان لهذه السطوة الواقعية أثر بالغ في الاجتهاد الفقهي الذي دوّن في مؤلّفات السياسة الشرعية، وبقي بعد ذلك مستصحبا في المؤلّفات اللاحقة حتى وإن تغيّرت أحوال الواقع وزالت منه تلك السطوة التي كانت مؤثّرة فيه سابقا، والتي كانت سببا في توجيه الأحكام على النحو الذي استقرّت عليه.

وقد أدّى هذا الوضع الذي انتهى إليه الفقه السياسي إلى تأثير سلبي لبعض الاجتهادات من الموروث الفقهي حينما أُريد أن تدرج في مجريات الواقع السياسي الإسلامي الراهن على أساس توجيهه بحسبها، وذلك ما قد يفضي أو لعلّه قد أفضى إلى أزمات في ذلك الواقع، ويعوق عن التطوّر الإيجابي فيه، وذلك ما يستلزم مراجعات اجتهادية نقدية عميقة لتعديل تلك الآراء وإبطال مفعولها السلبي في الشأن السياسي الراهن، وقد يكون هذا التأثير السلبي أكثر استفحالا، وتكون المراجعة في شأنه أكثر ضرورة فيما يتعلّق بأوضاع الأقلّية المسلمة بأوروبا، إذ الوضع السياسي لهذه الأقلّية أكثر تعقيدا وأقلّ وضوحامن الوضع السياسي للمسلمين في البلاد الإسلامية.

وعلى سبيل المثال فإنّ الفقه السياسي الموروث يعطي لرئيس الدولة من الأساليب في التنصيب ومن الصلاحيات في التصرّف ما يغري بالاستبداد، وهو ما أفضى فعلا في واقع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت