الصفحة 23 من 26

فالتقي الناصح ليس له غرض في إشاعة عيوب من ينصح له وإنما غرضه إزالة المفسدة التي وقع فيها أخوه رأفة ورحمة به ونصرة له، وبذلك وصف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} ، ووصف بذلك أصحابه فقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} ، ووصف المؤمنين بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر فقال تعالى في سورة العصر: {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} ، وكذلك وصفهم بالمرحمة فقال تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} .

وأما الفاجر العياب فلا غرض له في زوال المفاسد ولا في اجتناب المؤمن للنقائص والمعايب، وإنما غرضه في مجرد التعيير وإشاعة العيب في أخيه وهتك ستره وعرضه وفضحه بين الناس ليُدخل عليه الضرر في الدنيا، وهذا مما حرمه الله ورسوله، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} ، والحامل للفاجر على ذلك هو القسوة والغلظة والحسد والحقد ومحبته إيذاء أخيه، وهذه صفة الشيطان الذي يزيِّن لبني آدم الكفر والفسوق والعصيان ليصيروا بذلك من أهل النيران، كما قال الله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} .

وليحذر هذا المتتبع لعورة أخيه بغرض تنقيصه وإشاعته وفضحه وكَشف عورته أن يتبع الله عورته ويفضحه ولو في جوف بيته، فالجزاء من جنس العمل، كما جاء في الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تُظْهِر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك"، وقال: حسن غريب، وقال الحسن:"كان يقال: من عيَّر أخاه بذنب تاب منه لم يمت حتى يبتليه الله به"، ولما ركب ابن سيرين الدَّيْن وحبس به قال:"إني أعرف الذنب الذي أصابني هذا عيَّرت رجلًا منذ أربعين سنة فقلت له: يا مفلس".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت