ومِن أشد المنكر وأبلغه في الإساءة إظهارُ السوء وإشاعتُه في قالب النصح، وزعمُ أنه إنما يحمله على ذلك العيوب، إما عامًا أو خاصًا، وهو في الباطن إنما غرضه التعيير والأذى، فهو متصف بأخلاق المنافقين واليهود الذين ذمهم الله تعالى في كتابه في مواضع، وهو أن يظهر الإنسان في الظاهر قولًا أو فعلًا في قالب حسن، ويكون مقصوده الذي يبطنه التوصل إلى غرض فاسد، فيحمد على ما أظهر من ذلك الحسن، ويتوصل هو به إلى غرضه الفاسد، ويفرح بما حمد على ما أظهر من صدق وإخلاص وهو ليس كذلك، وهذا ممن لا إخلاص له ولا متابعة، وعمله أشبه ما يكون بأعمال المتزينين للناس المرائين لهم بما لم يشرعه الله ورسوله، وهؤلاء شرار الخلق وأمقتهم إلى الله عز وجل، ولهم أوفر نصيب من قوله تعالى: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، وهذا الضرب يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والزهد والعبادة عن الصراط المستقيم، فإنهم يرتكبون البدع والضلالات والرياء والسمعة ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوه من الإتباع والإخلاص والعلم، ومن كانت هذه همته فهو داخل في هذه الآية ولا بد، وهو متوعد بالعذاب الأليم.
ومثال ذلك: أن يريد الإنسان ذمَّ رجل وتنقصه، إما محبة لإيذائه أو لعداوته أو مخافة من مزاحمته على مال أو رئاسة أو غير ذلك من الأسباب المذمومة، فيظهر الطعن فيه بسبب ديني، مثل: أن يكون قد خالف عالما مشهورا، فيشيع بين من يعظِّم ذلك العالم أن فلانًا يُبغِضُ هذا العالم ويذمُّه ويطعن عليه، فيخدعهم لينال بهم من خصمه، ويعظموه هو لأنه ذب عن ذلك العالم ورفع الأذى عنه، ويعد ذلك طاعة وقُربة إلى الله تعالى، فيجمع هذا المظهر للنصح بين أمرين قبيحين محرَّمين: الأول: أن تحمل مخالفة العالم ورد قوله بالعلم والدليل على البغض والطعن والهوى، وقد تكون المخالفة إنما أراد بها صاحبها النصح للمؤمنين، وإظهار ما لا يحل له كتمانه من العلم، والثاني: أن يظهر الطعن عليه ليتوصل بذلك إلى هواه وغرضه الفاسد في قالب النصح والذب عن علماء الشرع موالاة لله ورسوله والمؤمنين.