الصفحة 5 من 26

يحبونه بما هو أكره شيء إليهم، فلهذا النفرة والابتعاد عن مثل هذا وقبحه مستقرة في العقل والفطرة والحكمة، والشرع زادها تحريما وقبحا، وجعل جهة التحريم كونه أخًا أخوة الإيمان؛ ولذلك تغلظت الغيبة بحسب حال المؤمن، فكلما كان أعظم إيمانًا كان اغتيابه أشد قبحا.

ومن جنس الغيبة الهمز واللمز، قال تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} ، وقال: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} ، وقال: {هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ} ، وقال: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} ، فإن كلاهما فيه عيب الناس والطعن عليهم، كما في الغيبة، لكن الهمز هو الطعن بشدة وعنف، بخلاف اللمز فإنه قد يخلو من الشدة والعنف، والهمز بالفعل واللمز بالقول، فصاحبه يزدري الناس وينتقصهم، والباعث عليه الكبر كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الكبر بطر الحق وغمط الناس".

والكلام في الناس مبني على العلم والعدل لقوله تعالى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} ، و وأمر بالعدل على أعداء المسلمين فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} .

إن من وفقه الله تعالى يذكر ما للناس وما عليهم، فيبسط حجج هؤلاء وحجج الآخرين والجواب عنها، على عادة أهل العلم والدين والعدل من سلف الأمة وأئمتها في إنصاف مخالفيهم والبحث معهم، ولا يسلك طريق جاهل ظالم متعد يبرك على ركبتيه، ويفجر عينيه ويصول بمنصبه لا بعلمه، وبسوء قصده وخلقه لا بحسن فهمه وأدبه، ويغلظ القول في المسألة بتكفير القائل بها أو تبديعه وتضليله، وإيجاب ضرب عنقه أو عزله وهجره، ليبهت خصمه ويمنعه عن بسط لسانه وعرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت