الصفحة 18 من 26

ولما كانت الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فإنه إذا تكلم أحدهم في أخيه لابد أن يكون بعلم وحسن النية، فلو تكلم بحق لكنه يبتغي بذلك العلو في الأرض أو الفساد، كان بمنزلة الذي يقاتل حمية ورياء وليقول الناس شجاع، وبمنزلة الذي ينفق ماله ليقول الناس جواد كريم، وبمنزلة الذي يعلم الناس الخير ليقولوا فقيه عصره وأوحد زمانه، وكل أحد من هؤلاء مذموم شرعا وعقلا، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل:"يقاتل رياء ويقاتل شجاعة ويقاتل حمية: أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، وأخبر عن أول ثلاثة تسعر بهم النار: قارئ القرآن والمجاهد والمتصدق بماله الذين فعلوا ذلك ليقال: فلان قارئ، فلان شجاع، فلان متصدق، ولم تكن أعمالهم خالصة لوجه الله عز وجل، وفي الحديث الصحيح الإلهي يقول الله تعالى:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري فهو للذي أشرك به وأنا منه بريء"،وفي أثر آخر: يقول له يوم القيامة:"اذهب فخذ أجرك ممن عملت له لا أجر لك عندنا"، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم"، وقال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} .

وعليه؛ فإن تكلم بحق لأجل الله تعالى مخلصًا له الدين كان من المجاهدين في سبيل الله، ولم يقع صاحبه في المحذور الشرعي في قوله صلى الله عليه وسلم:"الغيبة ذكرك أخاك بما يكره"، فإن الأخ هو المؤمن، والأخ المؤمن إن كان صادقًا في إيمانه لم يكره ما قلته فيه وشهدت به عليه شهادة حق يحبها الله ورسوله، بل عليه أن يقوم بالقسط، ويكون شاهدًا لله ولو على نفسه أو والديه والأقربين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآء للَّهِ وَلَوْ عَلَى? أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} ، ويحب ما يحبه الله ورسوله، ولا عبرة بما كرهه متى أحبه الله ورسوله، قال تعالى: {وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} ، ولم يترك ذلك أحد من أهل العلم ولا اعتبرت ردودهم طعنًا على من ردوا عليه قوله ولا ذمًَّا ولا نقصًا ولا عيبا، إلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت