كما قال عمر رضي الله عنه في مهور النساء وردَّت المرأة بقوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَاخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} ، فرجع عن قوله وقال:"أصابتِ امرأةٌ ورجلٌ أخطأ"، وروي عنه أنه قال:"كل أحد أفقه من عمر"، وكان بعض المشهورين إذا قال في رأيه بشيء يقول:"هذا رأينا فمن جاءنا برأي أحسنَ منه قبلناه".
وكان الشافعي ممن يبالغ في هذا المعنى، ويوصي أصحابه بإتباع الحق وقبول السنة إذا ظهرت لهم على خلاف قولهم، وأن يضرب بقوله حينئذٍ عرض الحائط، وكان يقول في كتبه:"لا بد أن يوجد فيها ما يخالف الكتاب والسنة، لأن الله تعالى يقول: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} "، وأبلغ من هذا أنه قال:"ما ناظرني أحد فباليت أظهرت الحجة على لسانه أو على لساني"، وهذا يدل على أنه لم يكن له قصد إلا في ظهور الحق ولو كان على لسان غيره ممن يناظره أو يخالفه، فما أعظم صدقه وإخلاصه، وما أحوجنا لمثل هذا الفكر وهذه الحال العلمية والإيمانية المحلاة بالعدل والإنصاف.
ومن كانت هذه حاله فإنه لا يكره أن يُردَّ عليه قولُه ويتبين له مخالفته للسنة لا في حياته ولا في مماته، وهذا هو الظن به وبغيره من أئمة الإسلام كالحسن البصري وعبد الله بن المبارك وسفيان الثوري والليث بن سعد ومالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم من الأعلام الموثوق في ديانتهم وعلمهم وصدقهم وإخلاصهم وسلامة صدورهم، الذابين عن الإسلام القائمين بنَصْرِه من السلف والخلف، فإنهم لم يكونوا يكرهون مخالفة من خالفهم بدليل ما، ولو لم يكن ذلك الدليل قويًا أو معتبرا عندهم بحيث يتمسكون به ويتركون دليلهم له، فدليل صدق المخالف أن تكون مخالفته لغيره عن دليل من الكتاب والسنة والإجماع، ودليل اتباعه هواه أن تكون مخالفته عن غير دليل.
ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى يذكر إسحاق بن راهويه ويمدحه ويثني عليه ويقول:"وإن كان يخالف في أشياء فإن الناس لم يزل بعضهم يخالف بعضا"، وقد