الصفحة 15 من 26

فإذا كان مرادُ الرادّ بذلك إظهارَ عيب من ردَّ عليه وتنقصه وتبيينَ جهله وقصوره في العلم ونحو ذلك كان محرمًا، سواء كان ردُّه لذلك في وجه من رد عليه أو في غيبته، وسواء كان في حياته أو بعد موته، وهذا داخل فيما ذمَّه الله تعالى في كتابه وتوعد عليه في الهمز واللمز، وله نصيب وافر من قول النبي صلى الله عليه وسلم:"يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته"، وهذا في حق العلماء المقتدى بهم في الدين، فأما أهل البدع والضلالة ومن تشبه بالعلماء وليس منهم فيجوز بيان جهلهم وإظهار عيوبهم تحذيرًا من الاقتداء بهم، والاقتصار على ما يفي بالغرض أحوط وأسلم في العاجل والآجل، كما جاء عن الجرح والتعديل في مقدمة ابن الصلاح:"ثم إن على الآخذ في ذلك أن يتقي الله تبارك وتعالى، ويتثبت ويتوقى التساهل، كيلا يجرح سليما ويسم بريئا بسمة سوء، يبقى عليه الدهر عارها"، وفيها أيضا قال أبو عمرو:"فيما رويناه أو بلغناه، أن يوسف ابن الحسين الرازي، وهو الصوفي، دخل عليه وهو يقرأ كتابه في الجرح والتعديل، فقال له: كم من هؤلاء القوم قد حطوا رواحلهم في الجنة، منذ مائة سنة ومائتي سنة أنت تكذبهم وتغتابهم؟ فبكى عبد الرحمن؛ وبلغنا أيضا أنه حدث وهو يقرأ كتابه ذلك على الناس، عن يحيى ابن معين أنه قال: إنا لنطعن على أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة منذ أكثر من مائتي سنة، فبكى عبد الرحمن وارتعدت يداه، حتى سقط الكتاب من يده".

والمقصود أنه لما كانت النصيحة والغيبة والتعيير تشترك في أن كلًا منها: ذِكْرُ الإنسان بما يكره، التبس عند كثير من الناس من طوائف المسلمين الفرق بينها، ولما كانت العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالحروف، فإن ذِكر الإنسان بما يكره يكون محرما إذا كان المقصود منه مجرد الذمِّ والعيب والنقص، والغرض منه حظوظ النفس، فأما إن كان فيه مصلحة لعامة المسلمين وخاصتهم في دينهم أو دنياهم وكان المقصود منه تحصيلها فليس بمحرم بل مندوب إليه أو واجب، وهذا مقرر عند علماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت