الصفحة 11 من 46

لابد للناصح من أن يكون لطيفًا رقيقًا أدبيًا في نصحه لغيره، وهذا يضمن استجابة المنصوح للنصيحة، ذلك لأن قبول النصح كفتح الباب، والباب لا يفتح إلا بمفتاح مناسب، والمنصوح امرؤ له قلب قد أغلق عند مسألة قصر فيها، إن كانت أمرًا مطلوبًا للشارع، أو وقع فيها، إن كانت أمرًا منوعًا من الشارع.

وحتى يترك المنصوح الأمر أو يفعله لابد له من انفتاح قلبه له، ولابد لهذا القلب من مفتاح، ولن تجد له مفتاحًا أحسن ولا أقرب من لطف في النصح، وأدب في الوعظ، ورفق في الحديث، كيف لا والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه) [1] .

ويقول عبد العزيز بن أبي داود رحمه الله: (( كان من كان قبلكم إذا رأى الرجل من أخيه شيئًا يأمره في رفق، فيؤجر في أمره ونهيه، وإن أحد هؤلاء يخرق بصاحبه، فيستغضب أخاه، ويهتك ستره ) ) [2] .

فانظر عبد الله حال من نصح من نصح بشدة وغلظة وفظاظة، كم من باب للخير قد أغلق؟ وكم من منصوح قد صد عن باب الله؟ وكم م صديق قد أوغر صدره على نفسه، وكم من أذى قد أوقع على أخيه في الله؟ وكم من الأجر قد فاته؟ وكم قد أعان الشيطان على إخوانه؟

وانظر في الجهة المقابلة إلى حسن الرفق في النصيحة، فكم من قلب مغلق قد فتح؟ وكم من حق مضاع قد حفظ؟ وكم من نقص قد استكمل؟ وكم من أخوة قد روعيت؟ وكم من تأخر عن الركب قد أدرك؟ وكم من الأجر قد تحصل؟ وكم من إرغام للشيطان قد كان؟ قارن عبد الله بين الحالتين لترى الفرق، والله يرعاك.

5 -عدم الإلزام:

من واجب الناصح أن ينصح غيره، ولكن ليس من حقه أن يلزم غيره بما ينصحه به؛ لأن هذا ليس من حقه، بل هو حق للحاكم في رعيته، والناصح دال على الخير، وليس بآمر بفعله.

أما الحاكم فهو آخر بفعل الخير، ناه عن فعل الشر، وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن حزم الظاهري رحمه الله تعالى: (( ولا تنصح على شرط القبول منك، فإن تعديت هذه الوجوه، فأنت ظالم لا

(1) رواه مسلم: (16/ 146) .

(2) جامع العلوم: (ص 77) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت