وإن واقع المسلمين اليوم في بعض بلادهم يشبه ماكان في عهد الصحابة رضي الله عنهم إبَّان الفتوح , من ناحية انفتاح خزائن الأرض وتوافر الأموال بشكل لم تتوقعه الأمة ولم تترقب حصوله بذلك المستوى الكبير , وإن خطبة أمير المؤمنين عمر التي سَيَتمُّ عرضها تظل جديدة نابضة بالحياة والعطاء , حيث تعالج واقعا نعاصره , وإذا كان الصحابة رضي الله عنه ومن عاصرهم من التابعين بحاجة إلى هذه الوصايا النافعة فإننا في هذا العصر أحوج إلى ذلك بكثير , لأن مستوى الإيمان أقل, ومستوى البصيرة أخف.
ولقد كان عمر رضي الله عنه يخشى على الأمة آنذاك من الغفلة عن شكر المنعم جل وعلا, فقام مذكِّرا بالله تعالى ومايجب له من الشكر والتوحيد الخاص , حيث قال:"إن الله سبحانه وبحمده قد استوجب عليكم الشكر , واتخذ عليكم الحُجَج فيما آتاكم من كرامة الآخرة والدنيا, عن غير مسألة منكم له ولارغبة منكم فيه إليه".
فذكَّرهم بأن تلك النعم العظيمة التي أفاءها الله تعالى عليهم من الفتوح لم يكونوا يتوقعونها على ذلك النحو العظيم , ثم ذكَّرهم بالهدف العالي الذي خلقهم الله جل وعلا من أجله, وماسخر لهم من النعم حيث قال:"فخلقكم تبارك وتعالى ولم تكونوا شيئًا لنفسه وعبادته , وكان قادرا على أن يجعلكم لأهون خلقه عليه , فجعل لكم عامة خلقه , ولم يجعلكم لشئ غيره, وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض , وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة , وحملكم في البر والبحر , ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون , ثم جعل لكم سمعا وبصرا".
فقد ذكر الميزة العظمى للإنسان حيث شرفه الله تعالى على سائر المخلوقات في هذه الأرض, فسخر كل مافيها له , ولم يسخره لشيء من المخلوقات الأخرى, وبيَّن الهدف الأعلى من خلق الإنسان وهو القيام بعبادة الله تعالى وحده , مع تذكُّر شمول العبادة لكل عمل مشروع أراد به فاعله وجه الله تعالى , ومن ذلك عمارة الأرض بطاعته سبحانه.