فهذه أمثلة جليلة من زهد أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه , وحينما يكون الزاهد متوسط الحال في المعيشة فإن زهده لايلفت النظر كثيرًا ولايثير العجَب , ولكن حينما يكون غنيا فإن زهده يكون مدهشا للمتأملين وعبرة للمعتبرين , ذلك لأن كثرة المال تغري بالانصراف نحو الملذات والتوسع في النفقات , فلابد ليكون الغني زاهدا من قوة بالغة تصرفه عن ذلك وتضخِّم في عينه النظر للآخرة وتقلل في عينه النظر إلى الدنيا , وهكذا كان عثمان رضي الله عنه الذي كان من أعظم الأثرياء في الإسلام قد غلبت قوة إيمانه شهوته وهواه فكان من أعظم الزاهدين , وضرب من نفسه مثلا لجميع الأغنياء بإمكان الجمع بين الغِنَى والزهد في الدنيا .
من أخبار علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
يُعدُّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من أئمة الزاهدين مع شدة انفتاح الدنيا في عهده , ومن أخباره في الزهد مارواه مجاهد بن جبر رحمه الله قال: قال علي رضي الله عنه: جُعت مرة بالمدينة جوعا شديدًا فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة فإذا أنا بامرأة قد جمعت مَدَرًا (1) فظننتها تريد بلَّه (2) فأتيتها فقاطعتها (3) كل ذَنوب (4) على تمرة , فعددت ستة عشر ذنوبا حتى مجلت يدي (5) ثم أتيت الماء فأصبت منه , ثم أتيتها فقلت بِكَفَّىَّ"هكذا"بين يديها (6) فعدَّت لي ست عشرة تمرة , فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فأكل معي منها (7) .
(1) يعني كل دلو .
(6) يعني تورمت من العمل .
(2) يعني بسطهما وضمهما .
(8) صفة الصفوة 1/320 .