فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 81

ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن أبي مليكة عن ذكوان مولى عائشة رضي الله عنها أنه استأذن لابن عباس رضي الله عنهما على عائشة وهي تموت, وعندها ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن , فقال: هذا ابن عباس يستأذن عليك وهو من خير بنيك , فقالت:دعني من ابن عباس ومن تزكيته , فقال لها عبد الله بن عبد الرحمن: إنه قارئ لكتاب الله فقيه في دين الله فأْذَني له فليسلِّم عليك وليودعك , قالت: فأْذن له إن شئت , قال: فأذن له فدخل ابن عباس ثم سلم وجلس وقال: أبشري يا أم المؤمنين فو الله مابينك وبين أن يذهب عنك كل أذًى ونصب - أو قال: وصب- وتلقي الأحبة محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وحزبه - أو قال: أصحابه - إلا أن تفارق روحك جسدك , فقالت: وأيضًا , فقال ابن عباس: كنت أحب أزواج رسول الله إليه ولم يكن يحب إلا طيبا , وأنزل الله عز وجل براءتك من فوق سبع سماوات, فليس في الأرض مسجد إلا وهو يُتلى فيه آناء الليل وآناء النهار , وسقطت قلادتك بالأبواء فاحتبس النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنزل والناس معه في ابتغائها - أو قال في طلبها - حتى أصبح القوم على غير ماء فأنزل الله عز وجل [النساء:43] فكان في ذلك رخصة للناس عامة في سببك , فو الله إنك لمباركة, فقالت: دعني يا ابن عباس من هذا فو الله لوددت أني كنت نسيًا منسيَّا (1) .

فهذا مثال من خشية الله تعالى , وقوة استحضار الحياة الآخرة في القلب , فقد تناست أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كل فضائلها التي ذكرها ابن عباس رضي الله عنهما والتي لم يذكر, ولم يبرز في فكرها إلا الحساب وأهوال الآخرة , وهذا دليل على قوة الإيمان ورسوخ اليقين .

(1) …مسند أحمد 1/349 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت