وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: 97] .
ولذلك؛ فإنَّ عدم هجرةِ الموجودين خارج إطار الدَّولةِ الإسلامية مع القدرة عليه يحتِّمُ خروجَهم حتى عن مفهومِ"الأمَّة الإسلاميَّة"، وقد نزلت الآيةُ السابقة في أولئك الذين انتسبوا إلى الإسلامِ، ومع هذا خرجوا مع جيشِ قريشٍ لمقاتلة الرَّسولِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في بدرٍ، وقد ورد عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قولُه: (( أنا بريءٌ من كلِّ مسلمٍ يُقِيم بين أظهُرِ المشركين، لا تراءَى نارُهما ) ) [1] .
ومما يدلُّ على أهمية الهجرةِ إلى الدَّولة الإسلاميَّةِ أن اللهَ - سبحانه وتعالى - أسقط حقَّ المسلم المقتولِ خطأً في دار الكفر في الدِّية؛ لعدم انتمائِه للدَّولة الإسلاميَّةِ، قال - تعالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] ، وقد أشار الإمام الشَّيبانيُّ - رحمه الله - إلى ذلك بقولِه:"وإذا أسلم رجلٌ من أهل الحرب فقتلَه رجلٌ من المسلمين قبل أن يخرُجَ إلى دار السَّلامِ خطأً، فعليه الكفَّارةُ، ولا ديَةَ عليه" [2] .
وقد ذكر الشيخ الشِّنقيطيُّ - رحمه الله - أنَّ لفظَ الأمَّةِ قد ورد بمعانٍ شتَّى، منها: برهة من الزَّمن، ومنها: أمَّة، بمعنى: جماعةٍ من النَّاس كقولِه - تعالى: {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} [القصص: 23] ، ومنها: الرَّجل القدوة؛ كقوله - تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل: 120] ، ومنها"استعمال"الأمَّة"في الشريعة والطريقة" [3] ؛ كما جاء في قوله - سبحانه وتعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92] ، وقوله - تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52] ، وهذا المعنى الأخيرُ هو المقصودُ، والذي يقتضي - حتمًا - كونَ العقيدةِ الإسلامية أساسَ وَحدةِ المسلمين، وجعْلَ الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ هي القانونَ المهيمنَ على تشريعات المسلمين، ويتطلَّبُ أيضًا عدم جعْلِ بنيانِهم السِّياسي والاقتصاديِّ والاجتماعي مبنيًّا على أيِّ قاعدة مخالِفةٍ لقواعد الشَّرعِ، وبفِقْدانِ ذلك - كما هو حاصل اليوم في الكثيرِ من المجتمعاتِ المعاصرة - يكونُ إطلاقُ لفظِ الأمَّةِ تجاوُزًا، ولا
(1) أخرجه أبو داود والترمذي، راجع محمد ناصر الدين الألباني، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، جزء 5، بيروت، المكتب الإسلامي، 1399 هـ - 1979، حديث رقم 1207، ص 29.
(2) محمد بن الحسن الشيباني، شرح كتاب السير الكبير، تحقيق د. صلاح الدين المنجد، الجزء الأول، القاهرة، مطبعة شركة الإعلانات الشرقية، 1971، ص 126.
(3) محمد الأمين الشنقيطي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، الجزء الثالث، الرياض، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، 1403 هـ - 1983، ص 13 - 14.