الصفحة 29 من 35

على اليهود نفقتَهم وعلى المسلمين نفقتَهم، وأن بينهم النَّصرَ على مَن حارب أهلَ هذه الصحيفة، وأنَّ بينهم النُّصحَ والنَّصيحة، والبِرَّ دون الإثم ... وأنَّه ما كان بين أهل هذه الصَّحيفةِ من حديث أو اشتجار يُخاف فسادُه، فإن مردَّه إلى الله - عز وجل - وإلى محمَّدٍ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم [1] .

وفي هذا دليلٌ واضحٌ على إثباتِ رعوية الدَّولة، وحمل التَّابعيةِ لِمن أقام في دار الإسلام من غيرِ المسلمين، حيث إنه - عليه السلام - جعل لليهودِ المقيمين بالمدينة والذين يتَّبعون المؤمنين حقَّ النَّصر والأسوة، وأنَّ عليهم نفقةَ الدَّولةِ عند حصول الحرب، وأنَّ الحُكمَ عند الاختلاف مرجِعُه إليه - عليه الصلاة والسلام - مما يثبتُ تبعيَّتَهم وحقَّ الرَّعويةِ لهم، فشروط منح التابعية ترتبط بالعيشِ الدَّائمِ وإقامة أحكامِ الإسلامِ فقط.

ومن هذا يتَّضحُ أنَّ النَّظريةَ السياسية الإسلاميةَ - فضلًا عمَّا جاءت به من رقيٍّ فكريٍّ لمفهوم الرَّعويةِ - جاءت أيضًا بأحكامٍ دقيقةٍ لمعالجة مشكلةِ رَعويةِ الدَّولةِ، وجعلت معيارَ الحصولِ عليها معيارًا شرعيًّا لا عرقيًّا عنصريًّا، ورتبت كذلك عددًا من الأحكامِ المترتِّبة على الحصول على تابعيَّةِ الدَّولة الإسلامية، والتي تناقضُ - جملةً وتفصيلًا - أحكامَ الجنسيَّةِ في الفكر الغربيِّ كما سبق بيانُه.

أولًا: أنَّ البيعةَ الشَّرعيةَ فرضٌ على المسلم، يجبُ عليه إقامتُها، ومتى انعقدت البيعةُ شرعًا امتنع فسخُها؛ لكونِها عقدًا واجبًا بين طرفينِ؛ ولذلك لا يجوز للدولةِ سحبُ الرَّعوية من جانبٍ واحدٍ؛ لمخالفتِه للنُّصوصِ الشَّرعيةِ المقتضيةِ لوجوب البَيعةِ، والتي منها قولُه - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( من مات وليس في عنقِه بيعةٌ، مات مِيتةً جاهليَّةً ) ) [2] .

ثانيًا: أنَّ الأصلَ هو الهجرةُ إلى دار الإسلامِ والإقامةُ بها، فسحبُ الرَّعوية أو إسقاطُها كعقوبةٍ يُفقِدُ المسلمَ حقَّه الشرعيَّ في الإقامة في دارِ الإسلامِ، ويحتِّمُ طردَه إلى دار الكفرِ، وهذا مخالِفٌ للشرعِ قطعًا؛ حيث أمر اللهُ - سبحانه وتعالى - بالهجرة إلى دارِ الإسلامِ وليس العكس، فالهجرة

(1) ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وآخرون، القسم الأول، الجزء 1 و 2، مؤسسة علوم القرآن، (بدون تاريخ ومكان النشر) ، ص 501 - 504.

(2) صحيح مسلم بشرح النووي، جزء 12، مرجع سابق، ص 240.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت