السَّمعِ والطَّاعةِ في المنشطِ والمَكرهِ" [1] ، وقال - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} إلى قوله - تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة:10 - 12] ، فرتَّب - تعالى - بيعةَ المؤمناتِ على هِجرتِهن وقَبولِهن الطَّاعةَ للهِ ورسولِه؛ مما يدلُّ على استحقاقِهن رَعويةَ الدَّولةِ، والتي ثبتَت بالبَيعةِ وبالهجرةِ وطاعةِ الله ورسولِه."
كما ثبت أنَّ الرَّسولَ - عليه الصلاة والسَّلام - أخَذَ البيعةَ بعد الفتح؛ روى مسلم أنَّ مجاشعَ بنَ مسعود جاء بأخيه أبي معبدٍ إلى النبيِّ - عليه الصلاة والسلام - فقال: يا رسولَ اللهِ، بايِعْه على الهجرةِ، قال: (( قد مضَتِ الهجرةُ بأهلِها ) )، قلتُ: فبأيِّ شيءٍ تُبايِعُه؟ قال: (( على الإسلامِ والجهادِ والخيرِ ) ) [2] .
وثبت من إجماعِ الصَّحابة قيامُهم ببيعة المسلمين من أهلِ المدينةِ، وأخذُ البيعةِ من أهل الأمصارِ.
والبيعةُ توجب نصرةَ الدَّولةِ، والقيامَ بالواجبات المترتِّبة على المواطنِ؛ مما يدلُّ على أنَّ حمل الرَّعويةِ حقٌّ لمن يعيش عيشًا دائمًا تحت سلطان الدَّولة من المسلمين.
أما الأدلَّةُ الشَّرعية بالنسبة لغير المسلمين ممَّن يُقيمون تحت سلطانِ الإسلام، فإنَّ معاهدةَ الرَّسولِ - عليه السلام - ليهودِ المدينة عقب هجرتِه منحَت المقيمين بالمدينة من يهودٍ رَعويةَ الدَّولةِ، وشرَطت عليهم واجباتِ الرَّعوية من الانقيادِ لحُكم الإسلامِ وعدمِ معاونةِ أعداءِ المسلمين.
قال ابنُ إسحاق: كتب رسولُ الله - عليه السلام - الكتابَ إلى المهاجرين والأنصارِ، قال:
بسم الله الرَّحمن الرحيم، هذا كتابٌ من محمَّدٍ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بين المؤمنين والمسلمين من قريشٍ ويثربَ ومَن تبِعَهم ولحِق بهم وجاهد معهم، أنَّهم أمَّةٌ واحدةٌ من دون النَّاس ... وأنه مَن تبِعنا من يهود فإنَّ له النَّصرَ والأسوةَ، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم، وأنَّ اليهودَ ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأنَّ يهود بني عوف أمَّةٌ مع المؤمنين، لليهودِ دينُهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسُهم إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يُوتِغُ إلا نفسَه وأهلَ بيتِه، وأنَّ بطانةَ يهود كأنفسِهم، وأنه لا يخرج منهم أحدٌ إلا بإذن محمَّدٍ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ... وأنَّ
(1) فتح الباري، جزء 13، مرجع سابق، ص 192.
(2) صحيح مسلم بشرح النووي، جزء 13، مرجع سابق، ص 7.