النَّاس فسادٌ منتشرٌ عريض طويل" [1] ."
"إنَّ المجتمع الجاهليَّ لا يتحرَّك كأفراد، إنما يتحرك ككائنٍ عضويٍّ، تندفع أعضاؤُه بطبيعةِ وجودِه وتكوينِه للدِّفاع الذاتي عن وجودِه وكِيانه، فهم بعضُهم أولياءُ بعضٍ طبعًا وحُكمًا .. ومن ثم لا يملِك الإسلامُ أن يواجِهَهم إلا في صورةِ مجتمَعٍ آخَرَ له ذات الخصائصِ، ولكن بدرجةٍ أعمقَ وأمتنَ وأقوَى، فأما إذا لَم يواجِهْهم مجتمعٌ ولاؤُه بعضُه لبعض، فستقع الفتنةُ لأفراده من المجتمع الجاهلي؛ لأنَّهم لا يملِكون مواجهةَ المجتمَع الجاهلي المتكافِل أفرادًا، وتقع الفتنةُ في الأرض عامَّةً بغلبةِ الجاهليَّةِ على الإسلام بعد وجودِه، ويقع الفسادُ في الأرض بطُغيان الجاهليَّةِ على الإسلام" [2] .
وعليه؛ فقيام الإسلامِ وبقاؤُه يتطلَّب قيام مجتمعٍ يقيم حُكمَ الله في الأرض، متمثِّلًا في أمَّة تعتنق العقيدةَ، وتنتظمُ في دولةٍ تنبثق عن العقيدةِ، وإلا تحوَّلَ الإسلامُ إلى مجرَّد"نظرية"خاليةِ الوِفاض، فالأمَّة والدولة متلازمتانِ، بمعنَى أن وجودَ جماعةٍ تعتنق العقيدةَ الإسلامية يحتِّمُ عليها العملَ لإقامة دولةٍ تطبِّقُ الشَّرعَ في واقع الحياةِ، كما أنَّ قيامَ الدولة الإسلامية يحتِّمُ قيامَ أمَّةٍ تلتزم بتطبيق أحكامِ الشَّرع وحملِ الدَّعوة؛ وذلك لأنَّ الإسلامَ رباطٌ"رُوحيٌّ - سياسيٌّ"، وليس رباطًا روحيًّا محضًا كما هو الحال في النَّصرانيةِ؛ ولذا يمكن تعريف الأمَّةِ الإسلامية بأنَّها:"جماعةٌ تعتنق عقيدةَ الإسلامِ، وتُقيم دولةً على أساس شريعتِه".
ويُستدَلُّ على ارتباط وجودِ الأمَّةِ بالدَّولةِ - أيضًا - مِن جعلِ الإسلامِ الأمَّةَ قاعدةً للحياةِ الاجتماعيةِ، واعتبار الأفرادِ غيرِ المكوِّنين للدولةِ - أي: المتخلِّفين عن الهجرةِ مع قدرتِهم على ذلك - ليسوا من الأمَّة؛ لكونِهم لم يحقِّقوا شروطَ الأمَّة، المتمثِّلة في الهجرةِ بهدفِ إقامةِ الدَّولة؛ حيث وصف اللهُ - تعالى - أولئك بالنِّفاقِ، قال - عز وجل: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء: 88] ، وقال - تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ
(1) مختصر تفسير ابن كثير، جزء 2، تحقيق محمد علي الصابوني، بيروت، دار القرآن الكريم، 1402 هـ - 1981 م، ص 122.
(2) سيد قطب، في ظلال القرآن، الجزء الثالث، مرجع سابق، ص 1559.