ومن ذلك يُستَدلُّ على أنَّ الولاءَ في الإسلام قائمٌ على أساسِ الدِّين فقط:
فآصرةُ العمل التي يجتمعُ عليها الشُّيوعيون ويتآخَوْنَ عليها هي آصرةٌ باطلةٌ شرعًا، وفاسدةٌ عقلًا وواقعًا، وآصرةُ القوميَّةِ التي يتآخَى عليها القوميُّون العربُ أو العجَمُ أو الأكرادُ أو البربر أو الأتراك أو غيرهم هي آصرةٌ باطلةٌ شرعًا ... وآصرةُ الوطنيَّة التي يلتقي عليها دعاةُ الوطنيَّة غيرُ معتبَرةٍ شرعًا، وفاسدةٌ عقلًا، وآصرة الإنسانيَّة التي يروِّجُ لها دعاةُ الماسونية غيرُ معتبَرةٍ شرعًا، وفاسدةٌ عقلًا وواقعًا ... فالموالاةُ على أية آصرةٍ من الأواصر غيرِ آصرةِ الإسلام - باطلةٌ في الشَّرعِ والعقلِ، ومُخرجةٌ لصاحبِها عن الإسلامِ [1] .
يتَّضح من ذلك أنَّ كلَّ ما يفرِّق بين جماعة المسلمين محرَّمٌ، ويجب العملُ على مَحقِه وإزالتِه، كما يجب على الدَّولةِ الحرصُ والعمل بحزمٍ على تركيز مبدأ الأخوَّةِ الإسلامية بين المسلمين؛ استجابةً للأحكام الشَّرعيةِ التي توجِبُ ذلك، وتنهى عن أسباب الفُرقةِ والاختلافِ، ولأنَّه بغير هذه الوَحدة كذلك سيدبُّ الوهنُ والضَّعفُ إلى كِيان الدَّولة، وقد ينتج عنه زوالُها بالكليَّةِ، كما حدَث للدولة العُثمانية، وكما هو ملموسٌ من متابعةِ التَّاريخِ السِّياسي للشُّعوب والأمم في العالَمِ.
بيَّنا في الجزء السابق أنَّ قيامَ الأمَّة يقتضى قيامَ الدولة التي تُقيم الشَّرعَ، وتجعلُ من إقامة الأحكامِ والجهاد قاعدةَ بناءِ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ، ولَمَّا كان مفهومُ الأمَّةِ ملازمًا لمفهومِ الدَّولةِ في الفكر السِّياسيِّ الإسلاميِّ، اقتضى الأمرُ البحثَ في أحكامِ الرَّعويةِ المنظِّمة لرعايا الدَّولة، والمبيِّنةِ للعَلاقة بين مفهوم الرَّعويةِ للدَّولة ومفهوم الأمَّة؛ ولذلك سنبحث أولًا مفهومَ الجنسية في الفكر الغربيِّ، ثم نحلِّلُ أحكام وخصائص الرَّعويةِ في النِّظام السِّياسي الإسلاميِّ.
يُعَدُّ البحثُ في الجنسية جزءًا من القانون الدَّولي الخاصِّ، الذي ارتبط وجودُه بقيامِ الدَّولة المستقلَّة في أوربا، ويعرِّفُ فقهاء القانون الجنسيةَ بأنها:"رابطة سياسية ورُوحيَّة بين الفرد والدَّولة"، وأنها:"رابطة سياسية وقانونيَّة، تُنشِئُها الدَّولةُ بقرارٍ منها، فتجعلُ الفردَ تابعًا لها"، ويعرِّفُها عددٌ آخَرُ من الكتَّاب بأنَّها:"رابطة سياسيَّةٌ وقانونيَّةٌ بين الدَّولةِ وكلِّ فرد من أفرادِ شعبِها" [2] ، وبأنَّها:"عَلاقة"
(1) محماس بن عبدالله بن محمد الجلعود، الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية، الجزء الأول، الرياض، مكان النشر غير معروف، 1407 هـ 1987 م، ص 163 - 164.
(2) الدكتور ماجد الحلواني، القانون الدولي الخاص وأحكامه في القانون الكويتي، الكويت، مطبوعات جامعة الكويت، 1973 م - 1974 م، ص 69 - 72.